Monday, January 25, 2010

ميت عساس

تصوير: سقراط


لم تكن تعلم أن القطار لن يتوقف بميت عساس، ولم تكن تدرك أنه بتلك الهيئة – التي لا تختلف كثيرا عن قطار ميت عساس- أنه قطار سياحي.

بينما كان السلم المتحرك يحملني وأحمالي إلي الأعلي، كانت تدور برأسي الوساوس عما إذا كنت سألحق بقطاري أم لا. وبوصولي إلي الأعلي، انتبهت كغيري على أصوات تنم عن مشاجرة. أمعنت النظر والسمع فإذا بأحد عمال المترو المنوط بهم مراقبة بوابات العبور من وإلي الأرصفة، فى زيه الرسمي سماوي اللون، ذلك اللون الذي يفترض فيه بعث الراحة في النفوس قبل العيون، ويقف إلي جواره أحد أمناء الشرطة، أو علي حد التعبير الشعبي "أبو طبنجة"، وفى مواجهتهما تقف فتاة لا تبدو عليها سوي علامات الضعف والاستكانة. تمكنت دون عناء أن أميز تلك الجملة الآثرة التي نطق بها العامل مهددًا الفتاة "يا تدفعي الغرامة يا نعمل لك محضر" والتي لم تجد من بد سوي استنفار كل ما تحمله ذاكرتها الصغيرة من أيمان مغلظة وغير مغلظة لتؤكد صدق نيتها وجهلها بالأعراف المتروية المقدسة، إلا أن محاولتها كانت أبعد ما تكون عن التأثير علي ذلك العامل سليل أقدم بيروقراطية عرفها التاريخ.

لم يكن لدي متسع من الوقت للفضول، جذبت أحمالي وعبرت البوابات أحث الخطي إلي محطة مصر علني ألحق بقطاري، إلا أن ذهني لم ينصرف عن تلك المسكينة التي رمي بها حظها العاثر فى مثل هذا الظرف الغابر، وصرت أتساءل عما سيكون مصيرها، هل سترضخ أمام تزمت العامل وتضطر لدفع غرامة تشفق جيوبها عن حملها؟ بالطبع ستفعل راغمة، وإلا ما السبيل لاتقاء عيون المارة، ولسان العامل السليط، وسلاح أبو طبنجة القابع على أحد جنبيه؟

وبينما أنا هائم بين مشاعري المختلطة التي جمعت بين الاشفاق على تلك المسكينة والخوف المشوب بالقلق من فقدان قطاري، إذا بالذكريات تتدافع حاملة أحد المشاهد التي يفصلني عنها ما يزيد على العام. كان الوقت ما بين المغرب والعشاء، عندما يرخي الليل سدوله ملتهما آخر خيوط النهار. كنت قد أخذت مكاني من بين المقاعد الكثيرة الخالية فى القطار الذي تحرك لتوه موليـًا محطة المنصورة دبره قاصدًا القاهرة، أطلقت نظري عبر نافذة القطار، تلك التي تعرض شريطـًا سينمائيـًا عملاقا، فى انتظار مشهدي الأثير عندما يعبر القطار جسر "طلخا" وتتبدي المنصورة مع السويعات الأولي من الليل، فى أبهي حـُللها، كأميرة تتهيأ لعُـرسها متخذةً من صفحة النيل مرآةً لها.

"تذكرتك يا أستاذ؟" قالها بآلية وانصرف بعد أن أظهرت له تذكرتي وباءت محاولته لتطويقي بالفشل، انتقل إلي المربع المقابل حيث جلست فتاة لم تتجاوز العشرين ربيعا، لاتبدو عليها ملامح السفر، تنزوي فى مقعدها مشبكة ذراعيها وكأنما تخشي شيئا مجهولا. سألها بنفس الآلية عن تذكرتها، طلبت منه تذكرة واحدة: "ميت عساس" قالتها بصوت لا يكاد يُسمع من فرط خفوته، تراجعت رأسه إلي الوراء من جراء التقاط كمًا لا بأس به من الهواء، وأخبرها دون أن يلتفت إليها أن هذا القطار سيتجاوز محطة ميت عساس وأن سمنود ستكون أول المحطات التى يتوقف بها، لذا سيتوجب عليها النزول بسمنود ثم اللحاق بقطار آخر يعود بها إلى ميت عساس، ولكن قبل ذلك عليها أن تدفع جنيهان ونصف الجنيه ثمن تذكرة واحدة إلى سمنود متضمنة "التطويقة" بالطبع، ثم أخذ يقلب صفحات دفتره الصغير وردية اللون إلى أن استقر على إحداها وأخذ يملاء الفراغات الموجودة بها دون أن يبدي أى اهتمام بالفتاة التي وقفت من فرط انزعاجها وألقت بنظرة متوترة على كل ما حولها فى محاولة لإدراك ما حاق بها، غير أن أكثر ما أزعجها هو ثمن التذكرة إلي سمنود التى زادت إلي الضعف، وعندما سألت عن السبب، أجابها وهو يقتطع صفحة الدفتر الصغيرة وببرود شديد: "علشان دي درجة سياحية" وأخيرًا رفع بصره إلى الفتاة الذاهلة مادًا يده بالصفحة الصغيرة بعد أن أتم مهمته على وجهها الأكمل. تراجعت الفتاة قيد خطوة إلي الخلف فى محاولة للإعلان عن رفضها لتلك اللحظة القاتمة، وتلك الصفحة الوردية، ولذلك القطار المنطلق لا يلوي علي شيء، وارتسمت علي صفحة وجهها شديد النضرة كل ما دار بخلدها ولم يجر علي لسانها. لم تكن تعلم أن القطار لن يتوقف بميت عساس، ولم تكن تدرك أنه بتلك الهيئة – التي لا تختلف كثيرا عن قطار ميت عساس- أنه قطار سياحي، ولكنها الان تعرف أنه قطار سياحي، وتعرف أن عليها أن تدفع ضعف ثمن التذكرة، وتعرف أيضا أن ما تحمله لا يفي بهذا الثمن. أخذت تتنقل بعينيها المتوترتين، تارة بين الصفحة الصغيرة بلونها الوردي الهاديء، وبين محصل التذاكر في زيه الازرق القاتم تارة أخري، وبينما هي كذلك اذا بها تلتفت فجأة إلي النافذة حيث تعلقت عيناها بتلك اللوحة الجدارية التي كتب عليها بحروف بارزة "ميت عساس". وعند تلك النقطة الزمنية قابلها، في الواقع، وصولي إلي مكتب الاستعلامات بمحطة مصر. سألته، وأنا ألهث من جراء الجري بكل تلك الأحمال، عما إذا كان قطار المنصورة قد انطلق أم لا، فنصحني، بعد أن أخبرني أن القطار قد تحرك بالفعل، أن ألحق بقطار الأسكندرية المتأهب للانطلاق علي رصيف عشرين.
ــــــــــــــــــــ
كتبها: محمد عـوض "سقراط"

Saturday, January 16, 2010

كتاب مالوش اسم

اللي في الصورة ده أحمد العسيلي .. أعرفه من زمان .. من أيام البرنامج بتاعه ع ((الاف ام)) اللي كان بيتذاع علي قناة مزيكا في نفس الوقت .. اللي لفت نظري ليه في الاول كانت خفة دمه، لكن بعد كده عجبتني دماغه قوي .. وبعد شوية انا انقطعت عن التلفزيون وعن ((الاف ام)) بحكم بداية دراستي في الجامعة، المهم بعد فترة كده تيجي 3 سنين شفت العسيلي تاني علي قناة (Otv) في البرنامج بتاعه "حبة عسيلي" وبدأت اتابع البرنامج بشغف شديد، والصراحة كان يستاهل .. كان وجبة دماغية جامدة جدا .. يعني م الاخر كانت بتعملي احلي دماغ .. والبرنامج كان عبارة عن مجموعة من الحلقات المنفصلة كل حلقة يتم طرح موضوع جديد في صورة سؤال تتفرع منه اسئلة اخري ويبتدي يدور علي اجابات الاسئلة دي عند الناس في الشارع ويناقش الاجابات دي مع الناس اللي قدام التلفزيون وينهي الحلقة بعد ما يكون ربط عقول كل الناس دي ببعض بالرغم من اختلاف خلفياتهم وثقافاتهم بدرجات متفاوتة ....
ومرة تانية انقطعت عني اخبار العسيلي بانتهاء عرض البرنامج او تصوير حلقات جديدة منه لغاية ما في مرة وانا بلفلف ع اليوتيوب صادفت فيديو مسجل من حلقة من برنامج البيت بيتك كان الضيف فيها احمد العسيلي بيتكلم عن كتابه الاول ((كتاب مالوش اسم)). وفي اقرب فرصة كنت فيها في دار الشروق شفت الكتاب .. قلبته بين اديا وهو جوه كيسه البلاستيك، وقريت الفقرة اللي مكتوبة علي ضهره وبدأت احس بالاحساس المنعش اللي كنت بحس بيه وانا بشوف البرنامج .. حاجة كده زي مايكون عقلي واكل نعناع "ححححححححححــ ..." لغاية ما وصلت لاخر جملة في الفقرة اللي مكتوبة علي ضهر الكتاب واللي بيقول فيها: "بس الاهم ، لانه السبب في كل ده .. اني علي طول بفكر.. بفكر.. بفكر" ومكتوب تحيتها ((احمد العسيلي)). رجعت الكتاب مكانه بعد ما بصيت علي سعره ولقيته معقول، وكنت مقرر اني مش هاشتريه دلوقتي .. يمكن لاني بحب كل حاجة تيجي في وقتها وكنت حاسس ساعتها ان الكتاب ده وقته لسه ماجاش او يمكن لاني ماكانش معايا فلوس كفاية ساعتها .. المهم، بعد فترة كنت في التحرير مع اصحابي وروحنا مكتبة دار الشروق .. دخلت رأسا علي المكان اللي فيه الكتاب .. مسكته بين اديا وانا مبسوط ان وقته جه، ولفت نظري ان الغلاف مكتوب عليه كلمتين زيادة عن المرة اللي فاتت، كان مكتوب عليه "الطبعة الرابعة" وعلي قد ما فرحت لان ده معناه ان ناس كتير اشتروا الكتاب، علي قد ما اتضايقت لما قلبت الكتاب علي ضهره وعرفت ان سعره زاد بأكتر من 25% عن سعر الطبعة الاولي .. وبمنتهي الهدوء رجعت الكتاب مكانه وخرجت من المكتبة واستنيت اصحابي بره لما يخرجوا.
وقعدت اقلب الموضوع في دماغي وأتساءل: ايه وجه الحكمة في تصرف زي ده؟ انا اعرف ان الكتاب لما يوصل للطبعة التانية والتالتة والرابعة ده معناه انه عليه اقبال .. ومعناه برضه ان الطلب عليه عالي وعلي حسب ما يراه الاقتصاد واعوانه ان في الحالة دي لازم السعر يعلي والعرض يقل، بس انا افهم ان ده يتعمل مع السلع؛ الشاي والسكر والبنزين لكن مش مع الكتب .. تكلفة الطبعة الاولي اكيد هي هي تكلفة الطبعة التانية والعاشرة فلما السعر يزيد من غير اي زيادة موازية في اسعار الحبر والورق وادوات الطباعة يبقي ده مالوش غير معني واحد ان دار الشروق ما هي الا مؤسسة رأسمالية احتكارية هدفها الاول والاوحد هو الربح ومالوش لازمة بقي انها تدعي انها بتقوم بأي دور ثقافي او اجتماعي او حتي انساني في مجتمعنا اللي بيتنشأ علي دور واحد من دول.




بالرجوع بقي لموضوعنا اللي خرجنا منه .. الكتاب .. الكتاب عبارة عن موضوعات مختلفة ومنفصلة الي حد ما بيناقشها العسيلي مع القاريء بنفس اسلوبه قدام كاميرا التلفزيون .. ومن اول صفحة في الكتاب بيوضح للقاريء كل حاجة وبيعرفه هو هايتعرض لايه في الصفحات اللي جاية وليه اختار اسلوب الكتابة ده بالذات.... الخ. ويمكن كل ده علشان يمهد له ان الكتاب ده بنسبة كبيرة جدا غير تقليدي .. وغير تقليدي دي مش معناها انه حاجة وحشة ولا حاجة حلوة .. لكن معناها انك لو كنت قاريء قديم هاتقدر تعرف من اول صفحة ان الكتاب بيخرج عن الشكل التقليدي وفي الوقت نفسه لا يتعارض معاه وبالتالي مش هاتلاقي عندك مشكلة انك تقرأه .. ولو كنت قاريء جديد او حتي مابتحبش القراية خالص هاتعرف برضه ان الكتاب مش تقليدي لانك مش هاتقابل المشاكل اللي بتقابلك مع الكتب التقليدية واللى بتخليك ما تحبش القراية عموما.
عنوان الكتاب ممكن يكون اشارة ذكية قوي لفكرة القراية .. لان زي ما قلنا ان كل اللي ما بيحبش القراية مش هايكون عنده مشكلة انه يقراه .. ولما هايقراه هايعرف انه محتاج يفكر في كل حاجة بتحصل حواليه، وهايعرف انه ناقصه حاجة مهمة جدا هي التفكير، وهايعرف كمان انه مابيحبش القراية لانه مابيحبش يفكر وان التفكير اهم خطوة لازم تيجي قبل القراية.
الكتاب مكتوب بالعامية المصرية، والعسيلي في اول الكتاب وضح وجهة نظره في اختيار الاسلوب او اللغة العامية لاكتر من سبب كان اخرهم واهمهم زي ما بيقول:
"المهم من غير رغي يعني قررت اني اكتب زي ما بفكر".
الكتاب ناقش موضوعات مختلفة ومتنوعة في صورة اسئلة وردت علي ذهن الكاتب، ومادة الكتاب كانت عبارة عن محاولته للاجابة علي الاسئلة دي .. مش بهدف انه يقدم مقترحات للاجابة دي، لكن بهدف اعادة طرح الاسئلة دي وغيرها والدعوة للتفكير فيها او الدعوة للتفكير عموما او زي ما بيقول العسيلي في بداية الكتاب:
"كثيرة هى علامات الاستفهام في الدنيا .. ونادرة جدا الاجابات .. والكتاب ده مش هايبقي فيه اجابات ولا حاجة، وحتي لو هايبقي فيه، هو مش مقصود منه الاجابات، المقصود الافكار والاسئلة وبس. ومش حيبقي فيه يقين .. حيرة وبس، اليقين الحمد لله عندنا علي قفا مين يشيل، بس هنا مش حتلاقوا .. اتمني انكو ماتلاقوش".
العسيلي بيحقق في الكتاب ده معادلة صعبة جدا من وجهة نظري بيقدم فكرة فلسفية معقدة جدا بطريقة سهلة جدا علي كل العقول، وخاصة العقول النابذة للتفكير بشكل عام، سواء بقي كان بدافع من الكسل او من البيئة الملوثة اللي بتتربي فيها عقولنا .. واعتقد ان وصول الكتاب للطبعة الرابعة معناه انه بشكل مبدئي نجح في تحقيق هدفه من المعادلة الصعبة دي.
انا ماشتريتش الكتاب لغاية دلوقتي .. بس جالي هدية في عيد ميلادي الاخير، ومن انسان مهم جدا في حياتي وبجد كانت من اجمل الهديا اللي جاتلي في حياتي بس ده ما يمنعش اني اشتري نسخة تانية بس يارب ألحق قبل الطبعة الخامسة.

Tuesday, December 29, 2009

* هبــوط

اللوحة للفنان الإيراني / إيمان مالكي

بخطوات أثقلها الإرهاق والتعب هبطتُ تلك الدرجات المؤدية إلى ذلك العالم السفلي المعروف ضمنيـًا بـ المترو، تزامنـًا مع هبوط دورتي الدموية بعد يوم طويل من الطواف بين الكلية والعمل ثم أخيرًا تلك "الخروجة"، كما يروق لنا تسميتها، وعلي بـُعد خطوات أخري كان على ثلاثتنا الافتراق، حيث سيتخذ ثالثنا من رصيف المرج منطلقا له، بينما نتجه - أنا وهو- إلى رصيف الجيزة.

أخبرته باقتضاب شديد أني "معايا تذكرتي"، فانطلق ولم يعقب فى مِشيَةٍ هي الأقرب إلى الترنح، تشي برغبة صاحبها فى التساكر إن لم يكن بالخمر فبالقراءة تارة وبالشاي أخري، وبكل أصناف الفنون فيما تبقي له من أحيان. تقدمته إلى البوابات المؤدية إلى الرصيف وأخذت أعد العدة للغياب خلال تلك الدقائق التي تفصلنا عن المسكن، مستخدمًا تلك الوسيلة السحرية التى تكفل لى وحدي الاستئثار بالموسيقي الصادرة عن هاتفي المحمول، وتقوم في الوقت نفسه بانتشالي من ذلك العالم السفلي الذي لا يقلّ فى صخبه عن نظيره فى الأعلي، ولم يلبث هو الأخر أن قام بالمثل سابحًا بين صفحات كتابه مبتعدًا عن كل ما يمت بصلة للواقع من حوله.

... هدوء تام يتسيد المكان عقب انتهاء أنغام من تقديم وصلتها الغنائية على ذلك المسرح الافتراضي، ثم يتعالي الصَفِير والتصفيق لانسدال الستار عن جوني كاش الذي يقوم بتحية الجمهور – الافتـراضي أيضا- ثم التعريف عن نفسه كـعادته قبل أن يبدأ، أتسلل خـارجـًا من المـسرح ملقيًا نظـرة خـاطفة على العـالم الأخـر، أعبر تلك المسـافة القصـيرة التى تفصـل فيمـا بيننا لأجـده لايـزال غـائبًا فى دنياه الخــاصة ـرفقة كتابه، أعـود من فـوري إلى المسـرح حيث جوني كـاش يردد " San Quentin, I hate every inch of you" .. أتعجب من وقع اللفظ فى نفسي.
(((((((((("HATE"))))))))))

أتفكر مليـًا، أستعرض لحظاتٍ كُـثر جمعتنا فيها النشوة والطمأنينة، لحظات مزجت بين أرواحٍ تـُركت على سجيتها، أتأمل مقولة العم يحي حقي "ما أجمل تركُ النفس على سجيتها مع إنسان يحمل لك الود ويترك هو أيضا نفسه على سجيتها"، تجري الأفكار مني مجري الغصة فى الحلق، ومهما كان من تجاهلها فلا يشغلني عنها إلاها. أسترق النظر إليه فيبدو غريبا عني، أتعجب من قدرتنا على اقتسام غرفة واحدة للسكن، أعود لتلك الأيام التي سبقت انتقاله من المدينة الجامعية للإقامة معي بعد انتهاء الدراسة، وسعيي الحثيث لذلك، أذكر يوم أخبرني أن بإمكانه الإقامة فى المدينة لمزيد من الوقت، ولكنه يرغب فى خوض تجربة السكن خارج المدينة تلك التجربة التي لم يعرفها طوال السنوات الأربعة المنصرمة، وعلي الفور بدأت فى الإعداد لذلك.

... يتعالي التصفيق، تغيب الموسيقي، ينزل الستار، يعود الصمت ليخيم علي المكان، ويعود صَخَب العالم الواقعي للإعلان عن نفسه، يتبدي للأسماع صوتٌ ناعم، يأتي من بعيد، يخترق الصخب، تتصاغَي الآذان، يتضح الصوتُ شيئـًا فشيئـًا. حركة انسيابية بطيئة على أوتارٍ مشدودة لآلة الكمان الآسرة، تمتزج بها طرقاتٌ رقيقة علي لوحة بيانو، ثم تعقبها أهاتٌ خافتة لكورال نسائي. يملأني شعور عارم بالألفة تجاه الموسيقي، ليست بالغريبة عن مسامعي، ومع ذلك لا أتذكرها، ينسدل الستار ببطء عن ماجدة الرومي تتوسط المسرح الافتراضي، يتعالي التصفيق مرة أخري تحيةً لهـا، وبصوتها الهادر تشـدو "كم جميلٌ لو بقينا أصدقاء ..."

الآن فقط أعرف من أين أتاني إحساس الألفة، أتساءل كم من الوقت مر علي آخر مرة استمعتُ فيها إلى تلك الأغنية، تترامي إلى ذهني مشاهد متفرقة من إحدي تلك المرات، غرفتنا الضيقة، أضطجع بسريري بينما يجلس هو فى مواجهة الكمبيوتر، يذكر شيئا عن مدي عشقه لماجدة الرومي ولتلك الأغنية علي الأخص، أسأله عن اسم والدها فيخبرني، أصيحُ مصدقًا على كلامه لاعنًا ذاكرتي الضعيفة، أخبره بأنه هو نفسه من اكتشف فيروز فيتحول مجري الحديث إلى فيروز، أقول شيئا عن مدي عشقي لها، يذكر شيئا عن الرحابنة، ثم يقطع صوتٌ منفر حديثنا، صريرٌ متصاعد، أعجز إزاءه عن الحفاظ علي عالمي الافتراضي فأعود على إثره إلى دنيا الواقع...

يتوقف المترو، أنتبه فإذا هي محطتنا، ينفتح الباب بفعل مجهول يربض على عجلة القيادة فى المقدمة، يسوق أناسًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، لا يدري هل يسوقهم أم يسوقونه، ينتقل بهم بين المحطات ذاتها كل يوم، وكأنما يذكرهم بحياتهم الرتيبة المكررة، أدلف إلي الرصيف فى خطوات قصيرة سريعة يدفعها التردد أكثر منه النشاط، أتأكد من مغادرته القطار أو بالأحري مغادرته عالمه الخاص، أتقدمه متجاوزًا بوابات الخروج بينما الأفكار تعود لمهاجمتي مرة أخري، عبثًا أحاول تفاديها. فشلت كل خبرتي اللغوية طوال اثني وعشرين عامًا فى مد جسرًا للكلام تعبر عليه الأفكار بيننا.

عاد الهدوء نسبيًا بوصولنا إلى المسكن، بدأ كلٌ منا في إعداد عدته مرة أخري للغياب عن الآخر خلال تلك الدقائق التي تفصلنا عن النوم حيث الانتقال إلى عالمٍ آخر يسبح فيه كلٌ منا منفردًا، كلٌ علي حسب ما ترسب فى عقله الباطن. خَلت تلك الدقائق سوي من محاولة مني لإعداد الشاي قابلها بشكر فاتر. تناولت أوراقي وبدأت فى كتابة تلك السطور التي أعرف مسبقًا أنه لن يقرأها أو أنه لن يهتم بقراءتها، وهنا عادت الأفكار وعادت الأسئلة وعاد ذلك الشعور الغريب المصاحب لتلك اللفظة المقيتة. أخذت أتساءل: متي انسحب الود ليحل محله ذلك الشعور البارد؟ متي صار ما يجمعنا مجرد جدران صماء لا تدعو سوي للانغلاق والاكتئاب؟ كيف تغاضينا عن ذلك السكوت حتي أصبح سرمديًا؟ كيف أضحي كل ما يربطنا مفتاح بمقدوره ضم جسدينا - دون روحينا- بمكان واحد؟
... وفجأة توقفت الأسئلة عن البحث عن أجوبتها، وكفت الأفكار عن مطاردتي، وعاد ذلك الصوت الهادر للتجول بين أروقة عقلي، فلملمت أوراقي وآويت إلي مهجعي ملقيًا بنظرة أخيرة على شريكي الذي كان ساكنًا فى مكانه على مقربةٍ من النوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتبها / محمد عوض ... "سقراط"

Tuesday, November 3, 2009

قلب فاضي


هي
جميلة
خفيفة الروح
لها أكبر القلوب
هي
ذكية
تداعب قلبي
وتعرف أزقة عقلي
هي
موجودة
وغير موجودة
رغم تشبع المكان لعبقها
هي
أمي
وأقرب إخوتي
وأفضل أصدقاء عمري
هي
تحبني
تشاطرني حياتي
تـقـبلنـي كــما انــــا
هي
زوجتي
أم أولادي
رفيقة دربي الطويل
هي
غريبة
لا تعرفني
لا تزال في علم الغيب
***
انا
طيب
لست بالوسيم
وقلبي وسعه الدنيا
انا
فطن
واسع الأفق
أعرف الطريق لسعادتها
انا
موجود
وغير موجود
وكياني يغمر المكان
انا
أب
وأخ حميم
وصديق قريب بعيد
انا
أحبها
أكمل نقصها
وأقبلها كما هي
انا
حنون
طفل كبير
أحمل عنها الهموم
انا
أجهلها
غريب عنها
لازلت فى انتظارها

Wednesday, September 30, 2009

FREE

What goes through your mind?
As you sit there looking at me
Well I can tell from your looks
That you think I'm so oppressed
But I don't need for you to liberate me
My head is not bare
And you can't see my covered hair
So you sit there and stare
And you judge me with your glare
You sure I'm in despair
But are you not aware
Under this scarf that I wear
I have feelings and I do care
So don't you see?
That I'm truly free
This piece of scarf on me
I wear so proudly
To preserve my dignity
My modesty
My integrity
So don't judge me
Open your eyes and see
~~~~
"Why can't you just accept me?" she says
"Why can't I just be me?" she says
Time and time again
You speak of democracy
Yet you rob me of my liberty
And all I want is equality
Why can't you just let me be free?
~~~
For you I sing this song
My sister, my you always be strong
From you I've learned so much
How you suffer so much
Yet you forgive those who laugh at you
You walk with no fear
Through the insults you hear
Your wish so sincere
That they'd understand you
But before you walk away
This time you turn and say
But don't you see?
That I'm truly free
This piece of scarf on me
I wear so proudly
To preserve my dignity
My modesty
My integrity
So let me be
She says with a smileI'm the one who's
free

Wednesday, September 9, 2009

تسعة تسعة






النهاردة
النهاردة 9/9/2009 يوم مميز قوي والنهاردة كمان 19 رمضان يعني 19/9/1430 وبحسبة بسيطة نعرف ان النهاردة فيه خمس تسعات .. ايه بقي فايدة الكلام الفارغ ده، طيب هاقولكم على كلام تاني فارغ برضه وبعدين أقولكم فايدته ايه .. السنة اللى فاتت يوم 9/9/2008 كان بيوافق 9/9/1429 والغريب برضه ان اليوم ده كان فيه خمس تسعات بس المهم بقي من كل التسعات دي ان ده اليوم اللى انا بقيت فيه رسميا مدون او بمعني أصح بقي عندي مدونة اقدر العب فيها زى مانا عايز واقدر اقول فيها كل اللى انا عاوزه وبما ان النهاردة عيد ميلاد المدونة فالموضوع هايبقي استثنائي يعني اللى مش مهتم يقف هنا ويقفل الصفحة وانا مش هازعل.
اللى جاب لك يخلي لك
الموضوع استثنائي علشان أسباب كتيير أهمها على الاطلاق انى بتعامل مع مدونتي من يوم ما جت الدنيا على انها حتة مني او على انها بنتي وحتي كل الناس اللى قلت لهم ع الحكاية دي كانوا بيردو عليا بتريقة نفس الرد "اللى جاب لك يخلي لك".

لسه بنجرب
لحد النهاردة كانت الجملة اللي مكتوبة تحت اسم المدونة بتقول "لسه بنجرب .. يا مسهل" وده كان شعار المرحلة الاولي كنت لسه مش متأكد اذا كنت هانجح كمدون ولا لأ، وزي ما قلت فى اول تدوينة خالص ((دي مش نوتة .. دي مزيكا)) ان ده مش هدف فى حد ذاته دي وسيلة لهدف تانى اكبر يمكن اكون ماحددتش زمن معين للمرحلة دي لكني حجات كتير خلتني اعتبر انها انتهت اهمها اني ألميت بعالم التدوين الي حد يتناسب مع بداية المرحلة التانية.

جدارية فرعونية
طول السنة اللى فاتت المدونة كانت عاملة زي جدارية فرعونية ضخمة متسجل عليها كل المحطات اللى مريت بيها خلال السنة دي، على الرغم من عدد التدوينات القليل والفترات الطويلة اللى بتفصل ما بين بعضها البعض واللى امتدت فى بعض الاحيان لشهرين، لكن لما بنزل لاخر الصفحة واضغط علي "Older Posts" واقرا التدوينات القديمة بعيش تماما فى توقيت كتابة التدوينة وبفتكر كل الخبايا اللى موجودة بين السطور بلغة ماحدش هايفهمها غيري لاني الوحيد اللى حستها وقت كتابة التدوينة. فى تدوينات بفرح قوي لما بقراها واخد قلم فى نفسي واقول انا واد جامد، وسعات بحس بالكسوف من نفسي لما اقف قدام غلطة لغوية أو نحوية انا قصدت ما اعدلهاش علشان تفضل تفكرني انى بغلط [بس كلام بيني وبينكم كان في غلطة شنيعة فى التدوينة اللى فاتت وانا عدلتها بعد كام اسبوع وماعتقدش ان حد خد باله] وبزعل قوي لما بفتكر تدوينة معينة تدوينة عجبتني جدا جدا بعد كتابتها لكن بزعل قوي كل ما اقف عندها وابص على رقم التعليقات والاقيه "جراند زيرو" على رأي الاستاذ احمد عطية مدرس الفرنساوي، ربنا يمسيه بكل خير، وعلي سبيل اعادة البعث هي دي التدوينة ((أتعبدون ما تنحتون))

خـــــاص
اكتر حاجة كانت بتستفزني فى المدونات ان بعض المدونين بيتكلم عن تفاصيل حياته زي ماتكون تفاصيل حياة "ماريا تريزا" امبراطورة النمسا فى القرن السابع عشر. تلاقي الواحد من دول يقولك بكل استغراب "انا صحيت الصبح" ايه يعني ما كل الناس بتصحي الصبح او يقولك بمنتهي التعجب من عظمة الخالق، وشوف حكمة ربنا يا مسلم شوف حكمة ربنا، "المنبه هو اللى صحاني الله يحرقه بس قفلته ونمت تاني" وتحس ان دي فقرة من فقرات كتابة تخليص الابريز فى تلخيص حياة عتريس، علشان كده انا قررت تماما انى ابعد كل البعد عن اى كلام شخصي حتى البروفايل بتاعي ماكتبتش فيه غير انى مصري وعند 21 سنة وكنت واخد الموضوع جد قوي على اساس ان اضمن لتدويناتي اكبر قد من الموضوعية، لكن نظرا لاعتبارات المرحلة الجديدة والمنعطف التدويني اللى انا داخل عليه هايكون فى قدر اكبر من المرونة ويمكن علشان كده التدوينة دى هاتكون فى تصنيف منفرد سميته اسم معبر جدا "خـــــاص".

تسعة تسعة
لو هاقيّم اللى انا عملته من تسعة تسعة اللى فات لحد النهاردة، وخصوصا مدي التزامي بالخريطة اللى رسمتها فى اول تدوينة، هاقول انى فعلا التزمت بده وحققت هدفي من المرحلة دي بشكل كيفي او نوعي، وان كنت لم انجح بنفس القدر على المستوي الكمي وهو مدي الانتشار اللى حققته المدونة وطبعا مش اي انتشار فى اي مكان، ويمكن ده اللى دفعني انى اتصرف بشكل حادة فى موقف معين. فى احدي التدوينات السيد المدون المحترم اللى كتب أول تعليق كتب كلام كتير جدا يكاد يتعدي سطور التدوينة نفسها وفى نفس الوقت كان بيقول أي كلام لمجرد التعليق كان بيتكلم بنبرة اللى متفق مع كلامي مع العلم ان اللى هو بيقوله مالوش اى علاقة باللى انا قلته، فانا رديت عليه وقلت له "من الواضح ان حضرتك ماقريتش التدوينة كويس ياريت تقراها تاني" يعني كنت بقوله بذوق ايه اللى جاب عيشة لام الخير، وكانت النتيجة انه كتب رد تاني استشهد فيه ببعض الجملة من التدوينة تتوافق مع كلامه، فانا آثرت السكوت وعدم الدخول فى جدال لا يسمن ولا يغني من جوع وكان رد فعله انه ما عتبش المدونة تانى، وان كان للامانة مازال محتفظ بلينك مدونتي عنده. كل اللى انا عايز اقوله من ورا ده، اني زيي زي ناس كتيير جدا نفسهم يبقوا احسن، وبدافع من ده برفض كل حاجة بشوف انها دون المستوي، وان كان ده ثمن غالي لاني اكون مش اجتماعي بمفهوم اليومين دول، ويمكن علشان كده عدد التعليقات عندي قليل جدا، لكن في نفس الوقت انا فخور جدا بالناس القليلين اللى متابعين المدونة على قلة موضوعاتها وفخور أكتر باللى قرر يستحمل غلاستي ويقرا التدوينة دي لغاية هنا.

Monday, August 17, 2009

بو...ـبوس




- عمو عمو ..
- نعم يا حبيبي
- ممكن تضرب لي الجرس ده .. أصلي مش طايله
(صوت جرس: تررررررررررن)
- عاوز حاجة تانية ..
- آه .. يللا نجري.


لم يكن ذاك هو مربط الفرس، ليس لأنه صدمني بحقيقة أكره تذكرها، ولكن لأنه صدمني بإعجابه بالكاتب –على حد تعبيره- يوسف معاطي. وحيث أننا على مشارف صداقة كنت –ومازلت- آمل صَقلَها، وكيف لا وقد تلاقت اهتماتنا فى أكثر الأمكنة قربًا إلي قلبي، كان منير أولها، إلا أن صدمتي كانت أشد وطأةً عندما علل ذلك بأن يوسف معاطي حسبه –بعد الله- عادل إمام ونعم الشفيع، وأنه بوصوله إلى عادل إمام، الذي –على حد تعبيره أيضا- يحمل السينما المصرية على كتفيه، فقد عَبَر ما هو أعتي من المانش، ولا عزاء لعبد اللطيف أبو هيف.


أما عن حقيقتي التي أكره تذكرها والتي صدمني بها صديقي أو صدمني اكتشافه إياها، لخَّصها فى قوله بأني ((لا يُـطاق جدالي))، فبادرته مدافعًا "ليس بشأن كراهيتي لأحد تلك المخلوقات الخمسة على ظهر هذا الكوكب، والتي يأتي يوسف معاطي على رأسها". والحق أني ألتمس لصديقي العذر، فقد كان تصريحه هو رد الفعل الطبيعي والوحيد لتلك العاصفة التى أطلقتـُها بكل ما أوتيت ولم أوتي من القوة، حاطـًا بصديقي –وليس يوسف معاطي- إلي أسفل الأسفلين. ولكني، أيضا، ألتمس العذر لنفسي .. فقد يتقبل العاقل ندرة الأيدي البانية، ولكنه لا يتقبل، بأي حالٍ من الأحوال، كثرة مَعَاول الهدم.


سألتُ صديقي –بينما أنا ما أزال أسيرًا لثورتي- "سمِّ لى فيلمًا واحدًا من أفلام يوسف معاطي يستحق الإشادة؟" .. وكانت إجابته من الوهنِ بما يدعو حقـًا للرثاء، فقد قال بأن عقله لا يُسعفه بأي منها الآن. بالله عليكم، أليس ذلك بمدعاةٍ للرثاء؟ ألا تحتفظ ذاكرة أحد معجبي الكاتب، الذي يحتل اسمه ما يربو على نصف الانتاج السينمائي السنوي فى الخمسة أعوام الأخيرة، ولو بفيلم واحد يشارُ إليه ببنان الإكبار والتقدير؟


والحق أن يوسف معاطي لا يستحق هذا الرثاء ولا حتي مجرد الاهتمام، وأنـَّي لنا أن نهتم بكاتبٍ تخلو أعماله من أدني درجات الفكر أو المنطق، كاتب بارع فى تفجير القضايا، فقط تفجيرها، ثم الهرب قبل أن تصيبه إحدي شظايا هذا الانفجار، دون أن يخبرنا حتى بالهدف والطائل وراء مثل هذا التفجير.


الأمر لا يتطلب إعمالا للعقل، إنما يتطلب دراية بالالفاظ البذيئة وغير المقبولة أخلاقيًا، لملء الفراغ الموجود بالعنوان، باستخدام حرف واحد فقط، حتى يتبدي لك الاسم الحقيقي لآخر أفلام يوسف معاطي.
قل لي بالله عليك، أين المنطق فى فيلم مثل "السفارة فى العمارة"، كيف ينتهي الفيلم بتجاهل القضية الرئيسية التى أثارها لتتزوج الفتاة المثقفة الثورية من ذلك الشيخ الشهوانى الذي يكبرها بأربعين عامًا. أخبرني، عفا الله عني وعنك، كيف يخرج صديقان أحدهما مسلم والآخر مسيحي من السينما بعد تعرضهما لذلك الكم من المتفجرات فى فيلم "حسن ومرقص"، دون أن تتمزق أواصِر الود بينهما؟ ... هكذا أحكمت قضبتي على صديقي قبل أن يمضي وهو ينعتني بأني صعب المراس.


أعلم تمام العلم أني أستحق وصف صديقي، ولكني ما أن أخلو إلي نفسي وأحاول اقتفاء مواطن الخطأ فى رؤيتي الحادة، ومواطن الصواب فى رؤية الأخر الجادة، حتى أجد ما يُذكـِّي ثورتي ويزيدها اشتعالا. عندما خلوت إلى نفسي بعد ذهاب صديقي، وأخذت التفكر فى الأمر بعيونه، لم أجد فى أعمال يوسف معاطي سوي تلك "النكتة" القديمة التى يقوم فيها الطفل الصغير بمشاغلة جيرانه بأن يطرق بابهم ثم يجري للاختباء، هكذا هي أعماله، تطرق أبواب عقولنا ثم تهرع إلى الاختباء، فإذا ما فتحنا لا نجد سوي الفراغ يطالعنا بوجهه الخالي من أية ملامح، حتي إذا ما اعتادت ذلك عقولنا توقفت عن الاستجابة لأي طارق، إلي أن يكسو الصدأ مفاصلها ويمنعها الحركة، وقتئذ تكون أعمال يوسف معاطي قد آتت ثمارها، حيث تزداد جماهيره ومعجبيه من أصحاب العقول الصدئة.