Sunday, January 8, 2012

ديمقراطية الجهل





يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابة (هذا هو الإسلام):

"اللغة التي يتكلمها الناس تتكون من ألفاظ مفردة لها معان محددة قصاري ما يؤديه اللفظ المفرد حين ينطق به أن يدل العقل علي معناه فقط وعلي معناه بدون نسبة مسندة إليه، فكلمة الأرض حين تنطق يأتي مدلولها بما نعرفه لها بدون نسبة تتعلق به، وكلمة كرة لها أيضا معني في اللغة حين ينطق بهذا اللفظ يؤدي مدلوله بدون نسبة، فإذا قلنا: الأرض كروية وجدت نسبة، ومعني نسبة أننا حكمنا علي شيء بشيء، والنسب هي التي تتحكم في ذلك الوجود كله، فالألفاظ بمفرداتها لا تتحكم في هذه الحياة إلا بمقدار ما تنضم لأختها فتوجد محكوما عليه ومحكوما به، وحين يوجد المحكوم عليه والمحكوم به توجد النسبة"


خلونا نعيد قراءة الكلام ده مرة تانية ونعمل منه إسقاط علي جانب من حياتنا الايام دي، الشيخ الشعراوي بيقول ان في حاجة اسمها النسبة هي اللي بتتحكم في حقائق الوجود، والنسبة دي هي حكمنا علي شيء بشيء، وضرب مثال بكده وقال اننا لما بنقول "الأرض كروية" ده في حد ذاته نسبة، لأننا حكمنا علي شيء اللي هو الأرض، بشيء تاني اللي هو الكرة أو صفة الكروية. بيقول كمان ان النسب دي ما بتخرجش عن الامور الستة دي: أمر متوهم، أمر مظنون، أمر مشكوك فيه، أمر مبني علي التقليد، أمر مبني علي الجهل، وأخيرا أمر مبني علي اليقين، وبما إن اليقين هو مدلول كلمة علم، يبقي النسبة اللي تخرج عن أمر يقيني اسمها نسبة علمية.


"إذا فالقضية الأساسية في الوجود هي أن يُحكم الإنسان، أي تُحكم حركته بنسبة يقينية لا تقليد فيها للغير ولا جهل فيها ولا شك ولا ظن ولا وهم، ولنوضح المسألة أكثر من ذلك نقول حينما تكلم العلماء عن العلم قالوا: ماهو العلم؟ العلم هو أن يظفر الفكر بنسبة مجزوما بها، والجزم بها لا يكفي لأن الجاهل قد يجزم بقضية جهلية، ولكن الجزم لابد أن يترتب علي أنها واقع أيضا، ولا يكفي في النسبة أن تكون مجزوما بها ولا أن تكون واقعة، وإنما تتطلب شيئا آخر هو أن يقام عليها الدليل .. إذا فلا تصل نسبة ما إلي أن تكون نسبة يقينية إلا إذا استوفت هذه الأشياء: مجزوم بها، وواقعة، وعليها دليل، فإن كانت النسبة مجزوم بها وواقعة إلا أن الجازم بها لا يستطيع أن يدلل عليها، نقول له انتقلت من مرتبة العلم اليقيني إلي التقليد، فالولد يقول: الله أحد، يقلد أباه، ولكنه لا يستطيع أن يدلل علي ذلك- نقول: الولد جزم بها وهي واقعة فواقع الأمر أن الله أحد، لكنك إذا قلت للولد وما دليلك لا يستطيع، إذا فالولد يعيش الان هذه الفكرة في مرتبة التقليد لمن يثق في إخلاصهم له فإذا ما كبر واستطاع أن يدلل انتقلت المسألة من التقليد إلي اليقين حينئذ تصير علما، فالعلم إذا يتطلب هذه العناصر."


الشيخ الشعراوي قال ان تعريف العلماء للعلم هو نسبة مجزوم بها تترتب علي أمر واقع ويستطيع الجازم بها التدليل عليها، وقال ان الشروط التلاتة دول لابد من توافرهم علشان نحكم علي النسبة دي بإنها علمية أو يقينية، ووضح بمثال ان الشرط التالت لو غاب عن النسبة دي تتحول إلي تقليد،، بس الاهم ان مرحلة التقليد دي مرحلة مؤقتة في حياة الانسان،، لما بيكون عقله مازال عاجز علي التدليل،، ففي الحالة دي بيلجأ للي يثق في إخلاصهم وحكمهم علي الأمور، خلونا نكمل اخر فقرة من كلام الشيخ الشعراوي وبعدين هاقولكم ازاي هانعمل إسقاط من الكلام ده علي الواقع بتاعنا.


"وإذا كانت النسبة مجزوما بها ولكنها ليست واقعة، أي جاء التخلف في الركن الثاني وهو أنه مجزوم بها عنده ولكنها ليست واقعة، نقول له ذلك هو الجهل. إذا فالجهل جزمٌ بنسبة غير واقعة، إياكم أن تظنوا الجهل هو ألا تعلم، ألا تعلم تلك أمية، والأمية ما أيسرها، لأنها ذهن خال تستطيع أن تضع فيه ما تشاء، ولكن الجهل ذهن مشغولٌ بقضية يجزم بها وهي ليست واقعة. وآفة الدنيا كلها ليست من الأمية وإنما هي من الجهل الذي يجزم بقضايا علي أنها حقائق وهي باطلة وليست حقائق، فمجادله يحتاج أول الأمر إلي أن يخرج من ذهنه النسبة المجزوم بها عنده وهي ليست واقعة، وبعد ذلك يدخل فيه النسبة الواقعة."


الشيخ الشعراوي بيقول بعد كده ان التخلف لو كان في الشرط التاني، وهو ان النسبة تكون غير واقعة يعني غير متحققة، في الحالة دي بيكون اسمه جهل، يعني انت بتقول نسبة معينة انت بتجزم بيها وتقدر كمان تدلل عليها لكن هي مش حقيقية، وبيقول كمان الشيخ الشعراوي ان في فرق ما بين الجهل والأمية، الأمي ده شخص ذهنه فارغ مافيهوش اي نسب بالمرة، او فيه نسب بدائية بسيطة، انما الجاهل ده ذهنه مشغول بقضايا غير واقعة، وان الأمي ده أمره سهل انت مجتاج تعلمه بس،، يعني تحط في ذهنه النسب اليقينية أو العلمية، انما الجاهل ده متعب شوية لانك بتحتاج الاول تقنعه ان القضية اللي في ذهنه دي غير واقعة علشان تطلعها من ذهنه، وبعد كده تحط له النسبة اليقينية او العلمية،، كده كلام الشيخ الشعراوي خلص،، خلونا بقي نختبر الكلام ده علي واقعنا.


كل وسائل الاعلام صدعتنا طول الايام اللي فاتت _ومازالت_ بالطفرة الفظيعة غير المسبوقة اللي حصلت في مصر واللي كل العالم بيتكلم عنها كآية من آيات الديمقراطية ألا وهي الانتخابات البرلمانية التي شهدت نسبة مشاركة غير مسبوقة من أيام الفراعنة علي حد تعبير أحد مقدمي البرامج المعتوهين "بدون ذكر اسامي لميس الحديدي" .. صدعونا فعلا بالحكاية دي، زي مانكون أول دولة في العالم تعمل انتخابات، وزي مانكون أول شعب في العالم ينزل ينتخب، مع العلم ان بداية الحقبة الليبرالية في مصر في عشرينات القرن اللي فات شهدت انتخابات أكثر نزاهة وأكثر إقبالا من الناحية النسبية باعتبار ان عدد المصريين أيامها كان أقل بكتير من دلوقتي، كمان الكلام عن نزاهة العملية الانتخابية غير صحيح بالمرة بالعكس الانتخابات كانت مشبوهة، كان فيها تجاوزات كتير جدا، وأداء الجنة اللعيا المشرفة علي الانتخابات كان ضعيف جدا،، والأهم بقي من كل ده ان نسبة المشاركة الفظيعة دي غير حقيقية بالمرة، لان الناس كانوا محطوطين ما بين سندان الغرامة ومطرقة خطباء الجوامع من الاخوان والسلفيين، يعني نص الناس رايح علشان خايف من الغرامة والنص التاني رايح علشان خايف من خطيب الجمعة،، ايوة من خطيب الجمعة مش من ربنا، وهو ده السبب الرئيسي ورا النجاح الكاسح للتيار الاسلامي في الانتخابات البرلمانية.


بس عموما خلونا نعيد قراءة الكلام ده برضه بناء علي كلام الشيخ الشعراوي، النسبة اللي عندنا بتقول ان الانتخابات الاخيرة دي هي الفريدة من نوعها في التاريخ المصري، من حيث نزاهتها ودرجة الاقبال الشعبي عليها،، اهي دي نسبة بعض الناس بتجزم بيها،، تماما قوي ده الشرط الأول،، ويقدروا كمان يدللوا عليها،، حلو جدا ده الشرط التالت،، انما الشرط التاني غير متحقق بالمرة، لان النسبة دي غير واقعة علي الإطلاق. وخلونا نطبق الكلام ده بشكل عملي.


لو بصينا لمجتمعنا اللي فيه نسبة أمية 40% يعني فيه 40% من الناس اللي راحت الانتخابات مابتعرفش تقرأ وتكتب، يبقي أي عقل ده اللي يقتنع ان واحد مابيعرفش يقرأ ويكتب هايختار ما بين 16 قايمة واكتر من 140 مرشح فردي بأسماءهم وأرقامهم ورموزهم؟؟!! طبعا لازم حد يمليه. وبنفس المنطق لو بصينا لمجتمعنا اللي فيه نفس النسبة تقريبا 40% ان لم يكن اكتر بتعيش تحت خط الفقر، واحد مش لاقي أصلا يأكل ولاده انت بتقوله هاندفعك غرامة 500 جنيه لو ماروحتش الانتخابات، يبقي أي عقل ده برضه اللي يقتنع ان الراجل ده ليه توجه سياسي معين هو رايح ينتخبه، او انه يفرق معاه فلان عن علان، كمان لو حطينا في اعتبارنا ان الصنفين دول كل ما يروحوا يصلوا الجمعة يلاقوا الشيخ بيزعق ويقول ان من الواجب علي كل مسلم ومسلمة انهم ينتخبوا المرشح الاسلامي وانهم يأثموا لو ماعملوش كده أو لو انتخبوا باقي المرشحين العلمانيين الكفرة. يبقي في الحالة دي نسبة المشاركة غير حقيقية علي الإطلاق أو لو شئنا الدقة، غير ديمقراطية.


لو رجعنا لكلام الشيخ الشعراوي عن الجهل، غالبية الناس اللي شاركت في الانتخابات كان عندها أمية سياسية فضلا عن أمية القراءة والكتابة، يعني كان ذهنها من ناحية الانتخابات ذهن فارغ، الذهن الفارغ ده تم حشوه بنسبة غير واقعة، فتحول من ذهن فارغ لذهن مشغول بقضية غير واقعة، اللي هو تعريف الجهل زي ما قال الشيخ الشعرواي، يعني باختصار الانتخابات دي فعلا كان آية من آيات الديمقراطية،، ديمقراطية الجهل.


محمد عوض



Saturday, December 24, 2011

ضد الحكومة




إنها ليست قضية مدرسة أو مجموعة من التلاميذ أوقعهم حظهم التعس في قبضة سائق متهور، أو صدفة عمياء أودت بحياة عشرين فتي وفتاة من أنبه أبنائنا، القضية أيها السادة أخطر من ذلك بكثير، إنها قضية بلدٍ بكامله نخر السوس أعمدته وأوشك بنيانه علي السقوط، لو حدث أو وقع مثل هذا الحادث في أي مكان في العالم يُحترم فيه الإنسان لاستقالت الحكومة علي الفور ولحُوكمت وأدينت لقاء إهمالها، أيها السادة الفرصة مازالت في أيدينا ولا يجب أن نفلتها، وطالما أن السادة الوزراء المسئولين عن النقل والتعليم وخلافه ممن لهم علاقة بهذا الحادث المروع الذي نحن بصدده، طالما أنهم لم يهتز لهم جفن ولم يقدموا استقالتهم حتي الآن فأنا أختصمهم بصفتهم وأسماءهم وأطالبهم بالمثول أمام عدالتكم كمتهمين والتحقيق معهم.


ضد الحكومة، فيلم مصري من انتاج عام 1992، بطولة النجم الأسمر أحمد ذكي، عن قصة وجيه أبو ذكري، ومن إخراج عاطف الطيب. يتناول الفيلم قصة حقيقية وقعت أحداثها منذ ما يزيد علي العشرين عامًا، إلا أن الأحداث الجارية الآن ونحن علي مشارف العام الثاني عشر بعد الألفية الثانية، يبدو فيها جليًا أن النسيج الاجتماعي والسياسي المصري لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر يتناسب وطول الفترة الزمنية التي تفصلنا عن الفيلم.

يبدأ الفيلم بحادث مروع نتيجة اصطدام أحد القطارات بأتوبيس رحلات يقل تلاميذ أحد المدارس ويسفر عن مصرع عشرين تلميذًا وتلميذة، ثم يقوم الاستاذ مصطفي خلف المحامي، والذي يقوم بدوره الفنان أحمد ذكي، برفع دعوي قضائية للحصول علي تعويضات مالية لأسر الضحايا. اعتاد الأستاذ مصطفي الترافع في مثل تلك القضايا والاستئثار بمبلغ التعويض لنفسه دون أصحاب الحق وهم أسر الضحايا، ولكنه في تلك القضية يصطدم بحالة خاصة، حيث يكتشف أن أحد ضحايا تلك الحادثة من المصابين هو ابنه الذي لم يكن يعرف بوجوده من قبل، وهذه هي نقطة التحول في الفيلم حيث يقوم الاستاذ مصطفي برفع دعواه القضائية مختصما الحكومة نفسها ومطالبًا بمثولها بين يدي القضاء علي اعتبار أنها المسئول الأول والحقيقي عن الحادث.


- وقد أصر الأستاذ مصطفي خلف المحامي علي الاستمرار في القضية مختصمًا الوزراء والمسئولين عن الحادث، فهو يري أن المسئول عن حادثة أتوبيس الموت ليس سائق الأتوبيس أو عامل التحويلة بل النظام بأكمله.

- يعني ايه النظام يا ماما؟

- يعني الوزرا والحكومة والمؤسسات اللي بتحكم.


في إطار الأحداث الأخيرة التي تمر بها مصر من صدام عنيف بين السلطة ممثلة في المجلس العسكري والجيش من ناحية، وبين ثوار ومعتصمي ميدان التحرير من ناحية أخري، وسقوط عشرات القتلي وإصابة المئات بإصابات متفرقة كان أغلبها نتيجة إعمال الأسلحة النارية في أجساد المعتصمين علي مدار خمسة أيام متواصلة، جاءت الدعوة يوم الثلاثاء الماضي الموافق 20 من ديسمبر/كانون الأول إلي الاعتصام والمبيت بالميدان للحيلولة دون مزيد من إراقة الدماء التي غالبا ما تتم ليلا بعيدًا عن أعين المنظمات الحقوقية والإعلام، وفي الإطار نفسه تم تشكيل لجنة قضائية مستقلة للقيام بمهام التحقيق في تلك الاحداث والمسماه بأحداث مجلس الوزراء، للوقوف علي المسئولين الحقيقين عن كل تلك الدماء، في أجواء شديدة الشبه بالأجواء التي دارت فيها أحداث الفيلم من حيث أن القضية ليست جنائية وإنما هي سياسية بالأساس، ومن ثم فيجب محاسبة المسئول الجنائي عن الحادث وهم في حادثة مجلس الوزراء ضباط وجنود الجيش الذين قاموا بأعمال العنف والقتل والسحل، فضلا عن المسئول السياسي عن الحادث ممثلا في المجلس العسكري القائم علي شئون البلاد والمتولي السلطة رسميا منذ فبراير/شباط الماضي.


- يا فندم أرجوك افهمني، الأتوبيس مادخلش في القطر كده من نفسه ولا حتي صدفة، في مسئول ورا ده كله، هو اللي وصل مزلاقنات القطر إنها تكون من غير إشارات، وهو اللي خلي سواق الأتوبيس اللي المفروض إنه مسئول عن أرواح البني آدميين ياخد مخدرات.

- ماهو ده بيحصل في أي مكان في العالم.

- أيوة بس بيكون بحساب، وبتتحدد المسئوليات بدقة، كل واحد بيأدي واجبه، ولما يحصل الخطأ بيبقي معروف مين بالظبط المخطئ ويتحاسب.

- الله.. يعني انت عاوز وزير النقل ينزل يعدي علي السينافورات سنافور سنافور ويطمن ان الاشارات شغالة؟

- لازم يبقي في مسئول حقيقي مش كبش فدا يتحاسب وياخد جزاءه، المسئول عن وسائل النقل في البلد هو وزير النقل مش عامل المزلاقان، والمسئول عن تأمين حياة تلاميذ المدارس وحمايتهم هو وزير التعليم مش سواق أتوبيس الرحلة، والمسئول عن اللي اتنين هو رئيس الوزرا، القضية لازم تتطرح كده، اللي راحوا بني آدميين، بشر، أرواح برئية مالهاش ذنب، لو المسئولين عن ضياعهم اتحاسبوا، وخدوا جزاءهم هايفكروا ألف مرة بعد كده علشان مايقعش خطأ أو إهمال مشابه.

- ماتيجي ننسي الكلام الكبير ده شوية.

- حضرتك علمتهولنا في الكلية وكتبته في الكتب.

- البلد مش مستحمله هزات.

- البلد مش هاتتقدم إلا بمواجهة أخطائها، مش عيب اننا نبقي بلد متخلف، لكن العيب الحقيقي ان احنا نحط راسنا في الرمل ومانواجهش التخلف ده، اذا كان حد قلبه ع البلد دي بصحيح لازم يقف يحاسب ويتحاسب.


لم يختلف رد الفعل الرسمي حيال الاحداث الأخيرة عن نظيره في الفيلم منذ ما يزيد علي العقدين من الزمان، حيث اعترف المجلس العسكري _ولو جزئيا_ من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده اللواء عادل عمارة بأن هناك تجاوزات صدرت عن ضباط وجنود الجيش، إلا أنه نفي تماما إطلاق الرصاص الحي علي المتظاهرين، وبعيدا عن الاعتراف الجزئي، يبقي اعتراف المجلس العسكري بالمسئولية الجنائية فقط دون المسئولية السياسية، وفي المقابل طالب المتظاهرون بمحاكمة ثورية للمجلس العسكري عن كل عن تلك كل تلك الجرائم التي جرت طوال العشرة شهور الماضية هي عمر المجلس العسكري في السلطة، باعتباره المسئول السياسي وليس الجنائي، عن كل تلك الجرائم.


- سيدي القاضي، أصبح من المعروف أن القضاء المصري هو الحصن الباقي والأخير، فأنا أهيب بعدالتكم ألا نُفلت من أيدينا هذه الفرصة، وإذا كان السادة الوزراء قد رفضوا المثول أمام عدالتكم، فهذا يعني أنهم لا يحترمون القضاء.

- يا أستاذ اتكلم في موضوع القضية أحسن.

- هذا هو موضوع القضية، سواق الاتوبيس وعامل التحويلة ليسوا أكثر من أدوات يحركها نظام كامل، سيدي القاضي انا مُصرّ علي مطلبي باستدعاء السادة المسئولين الحقيقيين عن المأساة لاستجوابهم.. وشكرًا.


كما سبقت الإشارة أن رد الفعل الرسمي علي أحداث مجلس الوزراء لم يختلف كثيرا عن نظيره بالفيلم، إلا أن أكثر القواسم المشتركة بينهما هو الاتجاه لتشويه القضية والتشويش علي تلقي الرأي العام لها، حيث قام الدكتور عبد النور محامي الدفاع والذي يقوم بدوره الفنان أبو بكر عزت بمحاولة تشويه الاستاذ مصطفي خلف بإثارة تاريخه في قضايا التعويضات المشبوهة، وإقالته من النيابة بعد اتهامه بالارتشاء إلي غير ذلك، في محاولة منه للتأثير علي حكم القضاء علي شخص المدعي وطبيعة القضية، وهو ما تماثل مع رد الفعل الرسمي علي أحداث مجلس الوزراء ممثلة في تصريحات الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء عن أن معتصمي مجلس الوزراء ليسوا سوي بلطجية ومأجورين ولا يمتون بأدني صلة إلي شباب ثورة الخامس والعشرين من يناير، كما اتهمهم بتخريب المنشآت العامة وحرق المجمع العلمي، وهي نفس الاتهامات التي تناقلها أنصار المجلس العسكري في الأوساط الافتراضية علي المواقع الاجتماعية لشبكة الانترنت، مما حدا بالثوار إلي الرد علي تلك الاتهامات بأنه وان كانت هيئتهم توحي بذلك فهو من جراء سياسات الإفقار والتجهيل التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة للنظام الذي قاموا بالثورة عليه، والتي كان من ضمنها حكومة الدكتور كمال الجنزوري.


وعلي الرغم من التباعد الشديد ما بين الواقع المصري الان من ناحية، والواقع المصري في فيلم ضد الحكومة من ناحية أخري، إلا أن مرافعة الأستاذ مصطفي خلف في نهاية الفيلم تبدو وكأنها تدافع عن ثوار التحرير، وترد لهم حقهم، ويكأن الإنسان يستعصي عليه الاعتبار علي الرغم من أن معركة الحق والباطل تأبي إلا أن تأتي في نفس الصورة مهما تباعدت الأزمنة.


أشكر أستاذي وزميلي الدكتور عبد النور الذي أتاح لي هذه الفرصة لأعلن كل خطاياي أمامكم وعلي الملأ لعلي أتطهر منها، نعم .. أنا مثالٌ للمحامي الفاسد، بل أكثر فسادًا مما يتصوره أستاذي، أنا ابنٌ لهذه المرحلة والمراحل التي سبقتها، تفتح وعيي مع التجربة الناصرية، آمنت بها ودافعت عنها، فرحت بانتصاراتها وتجرعت مرارة هزائمها وانكساراتها، هنت عندما هان كل شيء، وسقطت كما سقط الجميع في بئرٍ سحيقٍ من اللامبالاة والإحساس بالعجز وقلة الحيلة، أدركت قانون السبعينات ولعبت عليه وتفوقت، تاجرت في كل شيء؛ في القانون والأخلاق والشرف أنا لا أنكر شيئا، ومستعد للحساب وتحمل المسئولية، بل أكثر من ذلك أعترف أمامكم بأنني دخلت هذه القضية طامعًا في مبلغ تعويض ضخم، لكني .. لكني اصطدمت بحالة خاصة، شديدة الخصوصية، جعلتني أراجع نفسي، أراجع موقفي كله، أراجع حياتي وحياتنا، اصطدمت بالمستقبل، نعم .. صبي من الذين حكم عليهم أن يكونوا ضمن ركاب اتوبيس الموت، رأيت فيه المستقبل الذي يحمل لنا طوق نجاة حقيقي، رأيتنا نسحقه دون ان يهتز لنا جفن، نقتله ونحن متصورون أن هذه هي طبائع الأمور، وكان لابد لي أن اقف وأصرخ؛ إن هذه جريمة، جريمةٌ كبري لابد أن يحاسَب من تسبب فيها، إني لا أطلب سوي محاسبة المسئولين الحقيقين عن قتل عشرين تلميذًا لم يجنو شيئا سوي أنهم أبنائنا، أبناء العجز والإهمال والتردي. كلنا فاسدون .. كلنا فاسدون .. لا أستثني أحدًا حتي بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة، سيدي الرئيس كل ما أطالب به أن نصلي جميعًا صلاة واحدة لإلهٍ واحد، إله العدل الواحد الأحد القهار، لست صاحب مصلحةٍ خاصة، وليست لدي سابق معرفةٍ بشخوص الذين أطلب مسائلتهم، ولكن لدي علاقة ومصلحة في هذا البلد، لدي مستقبل هنا أريد أن أحميه. أنا لا أدين أحدًا بشكل مسبق، ولكني أطالب المسئولين الحقيقين عن هذه الكارثة بالمثول أمام عدالتكم لسؤالهم واستجوابهم، فهل هذا كثير، أليسوا بشرًا خطائين مثلنا، أليسوا قابلين للحساب والعقاب مثل باقي البشر، سيدي الرئيس أنا ومعي المستقبل كله، نلوذ بكم، ونلجأ إليكم فأغيثونا .. أغيثونا .. أغيثونا والله الموفق.

محمد عوض

Saturday, November 19, 2011

فلسفة الانتحار




إحصائيات مملة لكن لابد من ذكرها:

أكد الدكتور هاني جمال الدين رئيس مركز السموم التابع لمستشفي جامعة عين شمس ان حالات الانتحار في مصر في تزايد مستمر،ففي سنة 1982 كانت نسبة الانتحار 19% من حالات التسمم اللي زارت المركز، وسنة 2006 كانت 250 الف حالة تسمم منها 46% حالات انتحار، يعني حوالي 110 الف حالة، ويؤكد الدكتور هاني أن هذا الاحصاء الذي يقوم به المركز يضم حالات القاهرة الكبري فقط ولا يضم تلك الحالات التي تموت قبل وصولها للمركز أو تلك الحالات التي تنتحر بوسائل أخري مثل الانتحار بالحرق أو الغرق أو السقوط من فوق الأدوار العليا. أما الدكتور محمود عمرو مدير المركز القومي للسموم بقصر العيني فيقول "ليس لدينا أرقام دقيقة لأعداد المنتحرين، إلا أن المركز يستقبل200 حالة انتحار شهريا، أي بواقع2400 حالة سنويا".

على الرغم من أن الدين الإسلامي الحنيف حدّ من ظاهرة الانتحار على نحو ملحوظ في بلداننا العربية والإسلامية، مقارنةً ببلدان الغرب الشمالي، إلاَّ أن بورصة الانتحار عربياً تحركت في السنوات الثلاث الأخيرة فبدّلت معها بالتالي من معدلات الانتحار، ونسب المنتحرين بين بلد وآخر. ففي مصر مثلاً، بلغت حوادث الانتحار نسباً مرتفعة منذ العام 2007 إلى العام 2010، إذ تشير الأرقام المستقاة من مصادر أمنية مصرية إلى أنه جرت في العام 2007، 614 حادثة انتحار، تلتها في العام 2008، 713 حادثة، وفي العام 2009، 917 حادثة، وفي العام 2010 تصاعد الرقم إلى أكثر من 1300 حادثة. وأشارت المعلومات إلى أن النسبة العالية من المنتحرين كانوا من الشباب، وذلك لدواعي ضيق فرص العمل المنتج أمامهم، وكذلك صعوبة تخلصهم من ديون مالية مبهظة .. علاوة على ارتفاع نفقات الزواج بكلّ مستلزماته..إلخ. (المصدر: دورية "أفق" الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي، العدد 56 بتاريخ يونيو 2011)

==================================================


بس كده، دلوقتي نقدر نبتدي التدوينة


في حكاية مشهورة ناس كتير تعرفها، ان كان في شاب اتقدم لاختبارات وزارة الخارجية، كان خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والاول علي دفعته، وبعد ما نجح في كل الاختبارات تم رفض تعينه علي أساس انه غير لائق اجتماعيا وده علشان ابوه فلاح، الشاب ده خرج بعد ماعرف النتيجة دي وراح لاقرب كوبري ورمي نفسه في النيل.... الحكاية دي احنا سمعناها من الدكاترة في اول سنة لينا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

وفي حكاية تانية حصلت من يجي سنتين تقريبا، ان شاب شنق نفسه علي كوبري قصر النيل والاشاعات انتشرت بس كان اغلب الظن فيها انه كان بيحب بنت وهي كمان بتحبه بس ظروفه ماكانتش مساعداه انه يتجوزها، وكمان حكاية البوعزيزي اللي فجر الثورة التونسية واللي كلنا تقريبا عارفينها، وكان شاب برضه عنده ستة وعشرين سنة بس.

كل الحكايات دي بالنسبة لنا مش صادمة، بعضنا متفهم أسبابها جدا والبعض الاخر مستنكر الفكرة أصلا، البعض علي اساس عقلي والبعض علي اساس ديني، المهم ان كلنا كنا بنستقبل الحكايات دي علي انها بتعبر عن الدرجة القصوي من اليأس او الدرجة الدنيا من الايمان، لكن كلنا اشتركنا في استقبالها بشكل عادي تماما، لكن الظاهرة اللي بيتعبرها البعض صادمة فعلا هي ظاهرة انتحار الشباب في الدول الاسكندنافية.

الاول خلونا نقول ايه هي الدول الاسكندنافية للناس اللي مش عارفين، هم خمس دول في شمال اروبا (الدانمارك، السويد، النرويج، فنلندا، ايسلندا) خمس دول محسودين من كل العالم، دول غنية جدا، ومدلعة جدا، وماعندهمش اي مشاكل من اي نوع، الحكومات هناك بتوفر الدعم المادي والسكن وفرص العمل لكل فئات المجتمع، وبمنتهي البساطة انت تقدر تلمس الدلع ده لما تشوف سفارة من السفارات دي في مصر، سفارة فنلندا مثلا موجودة في الدقي عند اول نفق الجلاء من ناحية العجوزة، شوف المبني عامل ازاي وانت هاتحس من غير ما حد يقولك، الناس دول ماعندهمش غير مشكلة واحدة بس، ان عندهم أعلي معدلات الانتحار سنويا في العالم كله.

هنا بقي هانتكلم عن فلسفة الانتحار، وازاي الدول الاسكندنافية دي اللي اصلا ماعندهاش اي مشكلة من اي نوع، معدلات الانتحار فيها هي الاعلي علي مستوي العالم، الدراسات العلمية بتقول ان الشباب في الدول الاسكندنافية بينتحروا من كتر الرفاهية، او علي زي ما بتقول الدراسة المنشورة في دورية أفق (والحقيقة أن أسباب، أو دوافع الانتحار في تلك البلدان تعود، وبحسب تحليل الرسائل التي يتركها المنتحرون وراءهم، إلى التيه والضياع والفراغ والملل والوحدة. فمعظم المنتحرين يعانون من خواء روحي، وفقدان حافز الاستمرار في أكثر من سياق حياتي). خلونا بقي نحط مليون خط تحت اخر جملة "فقدان حافز الاستمرار في أكثر من سياق حياتي" أهي هي دي الزتونة اللي احنا بنجري وراها من الصبح، هو ده السبب المشترك عند المقبلين علي الانتحار سواء في دول العالم التالت او في اغني وارفه دول العالم.

لسه برضه ماوصلناش قوي، الفلسفة في موضوع الانتحار هي فكرة ان الانتحار مش بس بانتهاء الحياة المادية للانسان، يعني مش شرط الانسان يموت نفسه علشان يبقي كده انتحر، وخلونا نبسط الفكرة دي بالامثلة بتاعتنا اللي قلناها في الاول.

الشاب بتاع كلية الاقتصاد اللي انتحر علشان مش لاقي اي تقدير لمجهوده، وانه ماقدرش يوصل لهدفه بعد تعبه الطويل، كان ممكن يختار انتحار تاني خالص، كان ممكن مثلا يقبل انه يشتغل في اي شغلانة، يشتغل في خدمة العملاء مثلا في اي شركة من الشركات الكبيرة العالمية زيه زي نص خريجين كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وينسي بقي تعبه طول سنين الثانوية والجامعة علي أساس ان ده حال البلد مش حاله لوحده، ويتحول لحيوان بيروح الشغل ويجي من الشغل ويتجوز ويخلف ويموت موتة ربنا، او كان ممكن يعمل حاجة تانية خالص، كان ممكن يتعلم ازاي يبقي انسان وصولي وانتهازي وقذر، ينضم للحزب الحاكم ويشق طريقه بمجهوده، ويستخدم كل مهارات تسلق الجبال ولحس النعال، وفي الحالة دي هاتبقي شهادة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جت بفايدة، ويترقي يترقي لغاية ما يبقي وزير،،، ماهو في الحالة دي برضه هايبقي انتحر بس بشكل معنوي.

والشاب اللي شنق نفسه علي كوبري قصر النيل، برضه كان قدامه طريق تاني، كان ممكن يقضيها مخدرات وبنات ليل، ويعيش حياته زي نص شباب البلد، وبرضه كان هايبقي انتحر معنويا، والبوعزيزي هو كمان، كان ممكن يصهين علي موضوع القلم اللي خده من سعادة الباشا الظابط "فادية حمدي"، ويعيش الدور ويطلع في التلفزيون ويعمل قرشين من ورا منظمات حقوق الانسان والفضائيات، وبرضه هايبقي انتحر معنويا.

كان في فيديو مستفز ذاعته قناة الحرة بتعلق فيه عن احداث ماسبيرو يوم تسعة اكتوبر، الفيديو كان متصور في مكتب قناة الحرة اللي موجود جمب ماسبيرو بالظبط، كان السادة العاملين في المكتب بيقولوا شهادتهم في اللي حصل يوم 9 اكتوبر، وان ازاي المتظاهرين هما اللي اعتدوا علي الجيش، واحد فيهم قال: "اول حاجة فكرت فيها اني اجري والحق عربيتي، والحمد لله قدرت اطلعها واركنها في مكان بعيد ورا هلتون رمسيس، وفي واحدة زميلتنا ولعوا في عربيتها". لما شفت الفيديو ده افتكرت المرة الوحيدة اللي روحت فيها ميدان روكسي، كان في راجل زي البغل عنده حاجة واربعين سنة، بيتكلم مع تلاتة اربعة واقفين قدامه، كان بيقولهم: "ثورة الجياع دي لو كانت جت عندنا هنا في مصر الجديدة وشافت المباني والعربيات وشافت العيشة اللي احنا عايشنها، ماكانش حد فينا طلع سليم، كانوا خلصوا علينا".

اخيرا بقي،، عندي رسالة صغيرة لاخوانا المؤدبين بتوع احنا اسفين، الناس اللي نزلت ايام الثورة واللي بتنزل الاعتصامات لغاية دلوقتي مش جياع ومش اغبيا، اه فيهم اللي مش متعلم وفيهم اللي معدم، لكن برضه فيهم الاغنيا وفيهم الحاصلين علي اعلي الدرجات العلمية، اللي جمع ما بينهم هو نفس السبب اللي جمع ما بين المقبلين علي الانتحار في مصر وفي الدانمارك، فقدان حافز الاستمرار في الحياة من غير كرامة وحرية وعدالة اجتماعية.

محمد عوض


Saturday, October 1, 2011

العيب




كنت منسابا في قراءة "خارطة الحب" رواية غاية في الجمال للكاتبة المصرية أهداف سويف، عندما تطرق الحديث إلي حادثة دنشواي، وفجأة وبغير سابق انذار وجدت الدموع تنساب هي الأخري وكأني أقرأ تفاصيل الحادثة بجريدة الصباح بتاريخ 27 يونيو 1906 وليس 21 سبتمبر 2011.

واجهت التدوينة الأخيرة "استمناء" اعتراضًا واسع النطاق من أغلب قرائها (علي قلتهم) نظرًا لفجاجة العنوان، حتي أن البعض أعرض عن القراءة أصلا بمجرد اطلاعه علي العنوان، وفي حديث مع صديق لي أخبرته أني لو خُـيرت ألف مرة بين هذا العنوان وغيره لما استبدلته، والأمر في الحقيقة يدعو إلي مزيد من الاستنكار ليس فقط من دعاة الاستقرار ولكن أيضا من أولاء الذين يخدش حياءهم وصف الفعل وليس الفعل نفسه، وأعتقد ان هذا هو التحدي الاكبر الذي تواجهه منظومة القيم بمجتمعنا، وهو تسمية الأشياء بغير أسماءها، فالهزيمة في الحرب نطلق عليها نكسة، والتهاون في دماء شهداء اكتوبر ندعوه سلامًا، والتخاذل تجاه القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا الاقليمية نسميه حنكة سياسية، وضياع دماء شباب الخامس والعشرين من يناير نقول له استقرارًا، أما كبري الكبائر فهي أن بقاء قتلة المصريين بلا عقاب يليق بدموية جرمهم يطلقون عليه في بلادنا –وياللفضيحة- عدالة، كل ذلك لا يدعو إلي الاستهجان بالنسبة لمنظومة القيم بمجتمعنا الرشيد، أما ما يدعوه للنفور حقا هو وصف كل هذا التشوه بالاستمناء.

كانت تجربة فريدة تلك التي عشتها ليلة الخميس العاشر من فبراير الماضي، كان المخفي لتوه قد ألقي خطابه الأخير مستنفرًا أقذر أساليب الاستفزاز في ظنٍ منه عن جهلٍ أو غباءٍ ليس بغريبين عنه أنه بذلك يثلج صدر أمٍ فقدت زهرة عمرها، أو زوجةٍ ترملت بعد أيام من عرسها، او ابنةٍ تيتمت ولما تر وليها، بكيت كما لم أبك طوال حياتي، بكيت أناسا لم أعرف منهم أحدًا، كما بكيت ضحايا دنشواي بعد أكثر من قرن علي استشهادهم.

العيب .. هي تلك اللفظة مطاطية الطابع التي تعطي للجيل الأكبر حق الفيتو علي أي فعل يأتي به الجيل الأصغر لا يوافق هوي الأول، منذ اليوم الأول للثورة اتفق الشيوخ في مجتمعنا ان ما يحدث هو محض لعب عيال، وقد تبين أن هؤلاء العيال أتوا بما لم يأت به الكهول في شبابهم وشيخوختهم، وبعد الثورة عادت نفس النبرة في الحديث عن التعقل وعن أن ما يحدث من امتداد للثورة بالاعتصامات هو أيضا لعب عيال، وانطلاقا من ثقافة عمرها آلاف السنين أن العيال حينما يلعبون في وقت لا يروق للكبار فيه لعبهم، تظهر تلك اللفظة المطاطية في نبرة حازمة مؤذنة بانتهاء ذلك اللعب بأن .. عيييييييب.

لا أدري ما العيب في مواجهة حقيقة علمية مفاداها أن اكثر من 90% من الشباب يمارسون العادة السرية أو الاستمناء، أما كان الأجدر من منع الحديث في مثل هذا الأمر وتجريم حتي مجرد نطق تلك اللفظة علي الملأ أن نبحث في أسباب العجز الذي أدي بتلك النسبة المخيفة من شبابنا إلي الرذيلة؟ ولا أدري أيضا ما تلك الهالة القدسية التي تلف ذلك المجلس العسكري في زيه السنكري في حكمه، وما العيب في نعته بأنه يحمل أخلاق قواد، إذا افترضنا جدلا أن للقواد أخلاقًا، أليست تلك حقيقته التي تتبدي للكفيف فضلا عن الصحيح؟ ولا أدري أيضا ما العيب في أن يتوقف مجمع التحرير أو ميدان التحرير أو كل الميادين والشوارع المصرية عن السير والحركة، ألسنا بصدد أمر جلل يقتضي أن نقف لأجله وقفة مع النفس، مع التاريخ، مع الحاضر والمستقبل؟ ولا أدري كذلك ما العيب في أن يقبع شيخ هرم في قفص الاتهام بعد أن سرطن طعامنا، ولوث مياهنا، وفيرس أكبادنا، ولم يشعر بأدني قدر من الوجل يليق بشيخ قضي من عمره ثلاثين عاما من الفساد والإفساد وهو ينكر جرائمه كلها كاملة؟ وأخيرًا لا أدري لماذا لا نجد العيب في ترديد ألفاظ من قبيل (Shit, Damn it & fuck) ونجده في تلك اللفظة العربية "استمناء"؟

محمد عوض

Sunday, August 21, 2011

استمناء




بهيج .. انا عاوز اقولك علي حاجة مهمة قوي .. انت انسان طيب، وقلبك ابيض .. وانا من معاشرتي للبني ادميين انت حالة نادرة، اوعي تتغير يا بهيج .. ماتحاولش تبقي حد تاني غير نفسك، وصدقني اكيد في يوم هاتلاقي البني ادمة اللي شبهك اللي تشوفك من جوه مش من بره.

انا عارف اني دي تالت مرة اتكلم فيها في نفس الموضوع وتقريبا اقول نفس الكلام، وعارف كمان ايه السبب، بس ما علينا من السبب مش هو ده موضوعنا دلوقتي، اخر مرة فتحت فيها الموضوع ده كانت تدوينة اصعب حاجة، وقلت ان الموضوع ده اللي اتهرس في كل الافلام ومن مختلف الثقافات اتفق علي قواسم مشتركة مثلت الفلسفة الانسانية اللي احنا بصدد الكلام عنها دلوقتي (الواد محرم مش هايسكت علي بصدد دي) المهم .. احنا كنا اتفقنا المرة اللي فاتت ان الفلسفة الانسانية دي لعبت دور المنوم لكل المتطلعين من اللي مابيعرفوش لحقهم اللي مستأثر بيه اللي بيعرفوا، واللي مش فاهم او مش فاكر يرجع يقرا تدوينة اصعب حاجة، وعلي رأي الواد حامد (ماتقرفوناش بقي)

الجملة اللي في اول التدوينة دي هي اللي قالها مارد الكدواني لبهيج في فيلم طير انت، كان بيحاول يواسيه لانه ما قدرش يوصل لـ ليلي (مش لوحده)، حتي بعد ما جرب كل حاجة في الدنيا، الفلوس والقوة والشهرة ومزيل العرق اكس، كل ده ماقدرش يخليه يوصل لهدفه، وبناء عليه هو قرر ان ده مش سوء حظ ولا غباء من الاخرين وان العيب في هو.

انا مضيت لك ع الشهادة عشان انت فعلا عملت اللي عليك .. العيب فيا انا يا مارد انا اللي ماعرفتش اخليها تحبني.

في مرة سمعت الشيخ الشعراوي الله يرحمه بيقول كلام فيما معناه ان ربنا لما عرض الامانة علي السماوات والارض والجبال اشفقن منها لانها كانت صعبة وحملها الانسان لانه كان ظلوما جهولا .. الشيخ الشعراوي قال ان ربنا كان عارف ان مهمة الانسان في الارض صعبة وقاسية وعلشان كده كان لازم يكون في معادل، كان لازم يبقي في حاجة تهون عليه قسوة حمل الامانة، وقال كمان ان الحاجة دي كانت بمثابة جزء من الجنة .. صحيح مافيش حاجة تهون علي البني ادم اللي بيشوفه في الدنيا غير ذكر الجنة فما بالك بقي بحتة من الجنة، المهم الشيخ الشعراوي قال ان الحاجة دي هي العلاقة الحميمية بين الانسان وزوجه اللي هي بالنسبة للراجل الست وبالنسبة للست الراجل علشان الجماعة المفتحين اللي انا عارفهم كويس، المهم الشيخ الشعرواي اسهب في عبقرية غير مسبوقة وقال علشان كده تلاقي الراجل البسيط لما يبقي ابنه معذبه شوية يقوله "الله يخرب بيت دي ليلة" ويرجع بذكاء فطري لليلة اللي كانت السبب في مجيئ الابن ده واللي كانت برضه سبب في انه يستحمل كل رخامات الحياة علشان يقوم بدوره فيها وكانت النتيجة الطبيعية انه يخلف الابن اللي هايقوم بالدور ده من بعده علشان تكتمل الحلقة الربانية والفلسفة الانسانية.

الشيخ الشعراوي قال ان ربنا وعد الناس بالجنة وامرهم بالعمل ليها في الدنيا، وفي نفس الوقت اداهم حتة من الجنة علشان يصبرهم علي شغلهم في الدنيا، وبمنطق مواز كارل ماركس قال ان الدين افيون الشعوب، يعني مجرد منوم ومهدئ للناس الغلابة اللي مش قاردين ياخدوا حقهم في الدنيا فبيمنوا نفسهم بانهم ليهم الاخرة، وبمنطق مشابه احسان عبد القدوس قال ان المبادئ لا يعتنقها الا الفقراء، وان الفقراء لو اتيحت لهم الفرصة للغني لتخلوا عن المبادئ، يعني هي بالنسبة لهم مجرد اكليشية او افيونة، مجرد وسيلة لتغييب العقل عن التفكير في عجز اصحابه عن الوصول لمبتغاهم.

لكن فرق كبير جدا ما بين فكرة الشيخ الشعراوي وفكرة ماركس او احسان عبد القدوس .. الشيخ الشعراوي كان يقصد ان العلاقة الحميمية دي مجرد زاد بيعين الرجل علي مجابهة الحياة والخروج من معركة لمعركة علشان يقدر يواصل لحد مايكسب في النهاية الحرب مع الدنيا ويفوز بالجنة، لكن فكرة ماركس او احسان عبد القدوس كانوا يقصدوا بيها ان الدين او المبادئ مجرد وسيلة للاحساس بنشوة النصر دون الانتصار، وطبعا في فرق كبير جدا ما بين اللي اتنين بالظبط زي الفرق ما بين الزواج والاستمناء.

الناس اللي بيطالبوا بالاستقرار وتوقف الاعتصامات والمظاهرات وعودة الحياة لطبيعتها هما دول بالظبط اللي كان بيتكلم عنهم ماركس واحسان عبد القدوس، اللي عاوزينا نرجع تاني لزمن الافيون والحشيش اللي بيحسسنا باحساس الانتشاء لفترة معينة ويساعدنا علي مواصلة دور المهزوم في المعركة، ودول مستحيل يقدروا يقنعوا الناس اللي عرفوا طعم النصر واللي عرفوا الفرق الشنيع بين الاستمناء والزواج، الناس اللي بيطالبوا بالاستقرار هما نفس الناس اللي ظهروا في كل الافلام دي يقولوا كلام زي بتاع ماجد الكدواني، زي مثلا يقولك

الشباب اللي خرجوا يوم 25 هما دول اللي قاموا بالثورة .. شباب متحضر فاهم بيحافظ علي استقرار البلد .. هو نفسه اللي هايتصدي لاي محاولة لهز استقرار البلد .. احنا خلاص قمنا بالثورة لازم بقي ندي فرصة للبلد تهدي وتستعيد عافيتها..

ملعون ابو دي كلمة .. "الاستقرار" مش فاهم انا ازاي احمد مكي لما يقوله انا اكتشفت ان العيب فيا يرد عليه ماجد الكدواني ويقوله ماتحاولش تبقي حد تاني غير نفسك .. يعني حافظ علي استقرارك ماتتغيرش لان التغيير ده وحش .. طيب ازاي يا مولانا اذا كان الراجل قدامك جرب يغير كل حاجة في الدنيا الا نفسه ومع ذلك المشكلة ما اتحلتش.

في اللغة العربية الحروف ألف، سين، تاء اللي بيكونوا مقطع (است) لما بيجوا قبل الفعل بيبقي معناهم (طلب) زي مثلا الاستسقاء واللي معناها طلب المطر او الماء، او الاستفتاء واللي معناها طلب الفتوي، المهم ان القاسم المشترك ما بين كل الافعال اللي بتبدأ بالمقطع (است) هو عجز صاحبها عن الفعل او تحمل مسئولية الفعل فبيطلبه من حد تاني، فالاستسقاء مثلا بيعبر عن عجزنا في الحصول علي الماء، بس مش غريبة ان كلمة استقرار وكلمة استمناء هما اللي اتنين بيبدأوا بنفس المقطع، ألف وسين وتاء .. استمناء.

محمد عوض


Monday, July 25, 2011

موقعة الجمل الثالثة








تصاحبني منذ صغري صفات ثلاث تتمثل في كوني متمرد، عصبي، ثوري الطبع والطابع، وهو ما كان يتنافي في كثير من الأحيان مع كوني شديد التفاؤل، وقد تكون تلك المفارقة هي ما منعتني عن التخلف عن أيٍ من الجُمَع الثلاث طوال الثماني عشرة يوما التي أطاحت بذلك المبارك، لا بارك الله فيه (التعبير للدكتور سيف الدين عبد الفتاح) ولا في نسله الرضي.




لم أشارك بمظاهرات الخامس والعشرين من يناير رغم وجودي بالتحرير ذلك اليوم ولكن ذلك كان بعد ان قامت عساكر الامن المركزي بإغلاق الميدان علي من فيه، وبلغت مني السعادة مبلغا عظيما عندما أدركتني جمعة الثامن والعشرين وانا في التحرير أتنسم أولي نسمات الحرية يختلط بها ذلك الغاز المقيت الذي يدفعك دفعًا إلي الحرية لا إلي الاختناق.




وبلغ مني الحزن مبلغًا أعظم عندما تخلفت عن موقعة الجمل، بعد قرارٍ بالعودة إلي المنصورة مسقط رأسي، دفعني إليه تفاؤلي الفطري الساذج، وإلحاح أمي القلق. ثم أدركتني جمعة الرابع من فبراير وانا في التحرير، بعد يومين فقط من موقعة الجمل حيث الميدان لم تزل عنه رائحة دم الشهداء بعد. وأخيرًا أدركتني أسعد لحظات حياتي علي الإطلاق عندما سمعت خطاب التنحي من إحدي منصات التحرير جمعة الحادي عشر من فبراير، وليس من أي مكان أخر في الدنيا.




"العيال بتوع التحرير كانوا طالعين علي مقر المجلس العسكري، فاكرينها فوضي، بس أهالي العباسية طلعوا عليهم وادوهم علقة تمام، علشان يلزموا حدودهم ويتعلموا الأدب، ويفضونا بقي من القرف ده"


هكذا قال لي صديقي طه عندما هاتفته مساء الثالث والعشرين من يوليو أسأله عن أخبار تلك الحادثة التي ذهب البعض إلي تسميتها موقعة الجمل الثانية، لم يكن يشغلني موقف طه مما حدث، فهذا هو موقفه من الثورة كلها، وأعتقد أن السبب الوحيد لذلك هو أن الثورة مثلت تهديدا حقيقيا للفانوس الشمال في سيارته المستوبيشي أو المتسوبيشي لا أعرف أيهما الأصح، ولكن كل ما شغلني هو حزني الشديد لتخلفي عن موقعة الجمل الثانية، وصرت أتساءل في جزع شديد، تري هل ستكون هناك موقعة جمل ثالثة؟




كنت دائما ومازلت علي اعتقادٍ راسخ بأننا كمصرين أحفاد الفراعنة عشاقًا للاستقرار، وقد تكون تلك هي لعنة النيل وهبته في الوقت ذاته، فلولاه لما اجتمعنا حول واديه العظيم وتركنا ثلاثة أرباع البلد خاوية علي أساس أن النيل الذي نعرفه أحسن من الصحراء التي لا نعرفها، ولولاه لأطاح موسي بفرعون دون الحاجة إلي معجزة تشق البحور، ولولاه أيضا لأطحنا نحن بفرعوننا دون أن ندفع الثمن دماءًا فتية.




طه ما هو إلا ضحية للعنة وادي النيل، ضحية نظام مستبد أنشئنا علي السموم طعاما لعقولنا وبطوننا، عودنا ألا نري وألا نسمع وألا نتكلم إلا بما تمليه علينا تلك السموم التي تنفثها أبواقه الرسمية وغير الرسمية، نظاما علمنا أن بقائه فيه خلاصنا، وأن زواله فيه هلاكنا. بعد حديثي مع طه سألت نفسي؛ ماذا سيكون حال طه لو أدركتني إحدي موقعتي الجمل وهلكت فيمن هلكوا فداءًا لهذا البلد وفداءًا لطه، وأخذني هذا السؤال لخاطر أفزعني بشدة، وهو أني كنت وحيدًا طوال تلك الجمع الثلاث، تخلف عني كل أصدقائي عدا الجمعة الأخيرة التي صاحبني فيها العربي والاسمعلاوي، فبعد الخطاب الأخير لذلك المخلوع ليلة الخميس العاشر من فبراير، خرجت كالأبله أنهر الناس علي ترك الميدان، وأقسمت ليلتها أني لن أبرح هذا المكان حتي ينزل هذا العجل السمج عن كرسيه اللزج أو أهلك كمن هلكوا ثمنًا لحرية لم يروها، وهأنذا أجدد السؤال علي كل أصدقائي، وكلهم من رواد مدونتي وقرائها، ماذا ستكون حالكم إذا أسلمت روحي لبارئها بموقعة جملٍ ستقبل أو مضت، هل سيكفيكم حزنكم الصادق علي صديقٍ ولي؟ أم ستهبون لنصرتي ونصرة بلدكم؟


محمد عوض




Sunday, July 3, 2011

فرانكو أرابيا .. لغة الضاد باللاتينية





لما مسلم سألني باستغراب؛ هو ليه المصريين مش بيتكلموا بالفصحي؟ شعرت بإحراج فظيع من الشاب القبرصي المولد، انجليزي الجنسية، اللي بيدرس اللغة العربية، وافتكرت موقف من كام سنة لما كنت في امتحان سنة من السنين في الكلية، وجه الدكتور المشرف علي لجنة الامتحان علشان يمضي علي ورقة الاجابة بتاعتي، واذبهليت لما لقيته بيمضي بالانجليزي.. سبت الورقة والامتحان وسألت نفسي: هي اللغة العربية عقمت عن انها توفر توقيع للدكتور المحترم صاحب أعلي الدرجات العلمية؟ المهم .. بدأت استرسل في كلام فارغ، مع انه حقيقي، علشان أبرر لمسلم، القبرصي المولد، انجليزي الجنسية، اللي بيدرس اللغة العربية، وانا بجاوب علي سؤاله، ليه المصريين مش بيتكلموا بالفصحي؟



رجعت بذاكرة العالم للحقبة الاستعمارية، وقلت لمسلم ان ده السبب الرئيسي في استبدالنا لغتنا بلغة المستعمر، وان في نظرية تاريخية بتقول ان في مرحلة من المراحل المستعمر-بفتح الميم- بيقع في غرام المستعمر-بكسر الميم- لكن الغريب ان ده ما حصلش زمان أيام الدولة العثمانية ولا أيام الاحتلال الانجليزي، لكن حصل بعد كده، بعد ما الاستعمار غير من جلده، وتخلي عن السيطرة العسكرية علي مستعمراته واللي بيقولوا عليها بالانجليزي هارد بور، واستبدل جلده ده بجلد جديد بيقولوا عليه سوفت باور، وتاريخيا ده بدأ في النص التاني من السبعينات، بالظبط من بعد الانفتاح، الله يخرب بيت الانفتاح واللي فتحه علينا، المهم ان من ساعتها والمستعمر، بكسر الميم، بقي بيسطر علي مستعمراته من هناك من مكانه بالريموت كنترول.



المهم .. انا قلت لمسلم ان السبب الرئيسي لغلبة اللغة الانجليزية علي اللغة العربية في أغلب المجتمعات العربية كان ليه شقين؛ شق ثقافي، وشق تجاري. الشق الثقافي كان متمثل في هيمنة الثقافات الاجنبية وخصوصا الامريكية علي المجتمعات العربية، لدرجة ان مصطلح فيلم أجنبي بالنسبة للقناة التانية المصرية لا يعني سوي فيلم أمريكي، باستثناء برنامج بانوراما فرنسية طبعا، أما الشق التجاري، فكان متمثل في هيمنة السلع والمنتجات الاجنبية علي السوق المصرية، لدرجة ان كل آلة بتعمل بالماتور لازم تبقي ألمانية، وكل جهاز كهربائي لازم يكون ياباني، والشرط الأساسي للقبول في وظيفة بأي بنك او شركة أجنبية هو الالمام التام بالانجليزية، لكن الغريب بقي هو وجود الهيمنة دي أيام العثمانيين والانجليز، وكنا بنلبس الطربوش ونشتغل في الكوبانية، لكن من غير ما نستبدل العربية بالانجليزية.



كان طبيعي اني أشوف في عيون مسلم نظرة رضا ممزوجة بعدم الفهم، وكان طبيعي برضه اني أسأل نفسي عن المبررات الحقيقية غير الموضوعية لاستبدالنا لغتنا العربية باللغة الانجليزية في أبسط صور حياتنا اليومية، لغتنا العربية .. لغة القرآن، لغة الضاد، وراهنت نفسي ان ستين في المية علي الاقل من الناطقين باللغة العربية مايعرفوش انها لغة الضاد، او ما يعرفوش هي ليه اسمها لغة الضاد، وإلا ماكانوش استبدلوها بلغة تانية، دول حتي استبدلوا كتابتها بحروفها الاصلية وكتبوها بحروف لاتينية، وبحجة مضحكة مبكية، قال ايه "اصل الكيبورد مابتكتبش عربي ،، او يقولك: اصل انا بكتب اسرع بالانجليزي" وكانت النتيجة هي جنين مشوه بيعتبر رقم خمسة بديل لحرف الخاء ورقم ستة بديل لحرف الطاء، وحرف الدي بديل لحرف الضاد، الحرف اللي مافيش اي لغة علي وجه البسيطة بتسخدم مخرجه غير اللغة العربية.



مسلم، الشاب القبرصي المولد والانجليزي الجنسية، اسلم من 8 سنين وبيتعلم اللغة العربية، عاش في سوريا 3 شهور وفي مصر 6 شهور ولسه هايقضي في مصر كمان 3 شهور قبل ما يرجع لانجلترا لزوجته واسرته، مسلم رفض بإصرار انه يتعلم اللغة العامية المصرية، ورفض حتي التعامل بيها، وهايمشي وهايسيب سؤاله من غير جواب، وهايسبني في حيرة طول عمري لاني ماعرفتش اجاوب علي سؤاله البسيط: هو ليه المصرين مش بيتكلموا بالفصحي، لغة القرآن، لغة الضاد؟