Monday, June 17, 2013

هَـيْت لك


كنت أقلّبُ صفحات دفترٍ قديم عندما ألقت بي موجاته الورقية إلي شطٍ كانت هذه الكلمات رماله..

"يمكنني القول بملء فمي أن اليوم هو أحد الأيام المميزة، وذلك أني خطوت خطوة كبيرة -نسبيـًا- في طريقي إليها."

ما إن وطئتُ بقدميّ أول رمال هذا الشط حتي تسارعت دقاتُ قلبي عن معدلها الطبيعي، وكثف العقل من نشاطه في محاولة لاستحضار تلك التي تعود إليها هاء الغائب التي أُفلت بها تلك الجملة الافتتاحية، وهبت رياح خفيفة لا يبدو عليها السفر البعيد، ومن التاريخ المدون أعلاه أدركت أن ما قطعته تلك الرياح وصولا إلي ذلك الشاطئ ما مسيرته تقل بالقليل عن العامين. تابعت القراءة سعيا وراء تلك الرياح المسافرة، مستدبرًا البحر بأمواجه الورقية ومستقبلا الشط بكلماته الرملية.

"وصلت إلي العمل قرابة الثالثة عصرا علي الرغم من أن الدوام يبدأ في السادسة، ولكني بكرت قاصدًا تنفيذ مخططي لهذه الخطوة. اتخذت مكاني قبالتها مباشرة، وادعيت الانهماك في تحضير نفسي للعمل متشاغلا عن إلقاء التحية. لم تلبث أن أشارت بيُمناها بادئةً السلام الذي رده قلبي قبل لساني. ادعيتُ رغبتي في الجلوس إلي جوارها لمراقبة أدائها في العمل بغية تحسين بعض النواقص في أدائي، وكانت ابتسامتها الشفافة خير جواب لمسألتي، وإيذانًا بساعة ونصف الساعة من نعيم قربها. لم يسعدني قربها قدر ما أسعدني اكتشاف جمال عينيها القريبة من الخضرة منها إلي الزرقة، واللاتي تحملان من الصفاء ما يشي بصفة روحها."

جعلت أتعجب من وقع الكلمات في نفسي، ومن فيض المشاعر الذي جلبته رياحها الخفيفة المسافرة. شيئا فشيئا رحت أستعيد قصاصات متباينة عن ذلك اليوم وعن تلك الساعة التي جلست فيها إلي دفتري الورقي الكبير أدون تلك اللحظات الطوال والقلائل، في محاولة لحفظها من آفة النسيان. وجلعت أتذكر كيف كنا وإلام انتهينا، وكيف أنني عمدت بها إلي أقصي أركان ذاكرتي في محاولة للفكاك من أسرها.

"كانت سويعاتها الأخيرة في الدوام الذي كانت تنتظر منه لحظة الخلاص، وشعرت بفرح شديد كوني سببًا في تخفيف وطأة هذه السويعات، فلم أُكثر من الكلام إلا ما لزم وأضحك، ولم تُكثر من الإجابة باللسان قدر استجابتها بتلك العيون الصافية، والضحكات الخجلى، ما جعلني أشعر وكأن الدنيا تتهيأ لي في أبهي صورها، وتقول في غير خجل "هيت لك".


أخذت أستعيد لحظات مماثلة إن لم تكن مطابقة، جلست فيها إلي دفتري الورقي الكبير، أدون ذكرياتٍ مغايرة، في محاولة لحفظها من آفة النسيان... وأدركت حينها أنني لم أقم بتدوين ذكرياتي لحفظها وإنما للتخلص منها، وأن دفتري الورقي الكبير لم يكن سوي سجلا كبيرا يحوي محاولاتي المتتابعة للبحث عن تلك التي تعود إليها هاء الغائب التي أُفلت بها تلك الجملة الافتتاحية، ويحوي محاولاتي المستميتة للبحث عن دنيا تتهيأ لي في أبهي حُللها، وتقول في غير خجل "هيت لك".
-----------------------
مدونة سقراط | محمد عوض
اللوحة للفنان الإيراني "مرتضي كاتوزيان"

4 اتكلموووووو:

Amany said...

تحياتى لك سيدى على هذا السرد الرائع وذلك الانتقال الرشيق بين الماضى والحاضر الذى لم تفلت فيه الأحداث من بين يديك فرأيتها مترابطة كحبات العقد رغم أنها حديث مقسم بين الماضى والحاضر
أكرر التحية مرة أخرى وأستئذنك فى الاطلاع على باقى تدويناتك وعلى سعة صدرك لتحمل وجهة نظرى المتواضعة بها
أمانى

Mohamed AbdAllah said...

أظن أنه من نعم الله علينا ، ان نقرأ في مثل هذا العهد ولمثل هذا الجيل كلمات تلامس كيان القلب وتهز مشاعره ، وتصعد بآمال العقل الى ماهو اعلى من الحد ، في شكل متناسق جذاب يدخلك في عالم الرواية والقصة لترى انك لم تخالج من ذلك الا تدوينة سطرت فيها خواطر أو نقلت فيها صورة لخواطر ، الهبت عقول القارئيين وأحيت فيهم معاني الدفء .

نوران عارف said...

مش عارفة اقولك اكتر من انها رائعة وانت كاتب مميز حقا ..واحنا نتمني نكون تلامذة فى بحرك

ahmedabediom said...
This comment has been removed by a blog administrator.