Wednesday, June 29, 2011

اخرج م البيبان






اخرج من البيبان الحر الضيقة
الكون صابح جميل
والدنيا مروقة
بترشرش ع الولاد
ع الحلم في الحارات
رشت ع البيبان
ع الزحمة في الميدان
رشت ع البنات
ع الكحل ع الحجات
ع الكحك في الصاجات
وقمصان الشقي
اخرج من البيبان



هكذا قال منير .. وهكذا انتهت تلك الليلة بصبح جميل ودنيا مروقة...
انتهيت من دوام الكفار كما نطلق عليه بالعمل في تمام الحادية عشر من مساء الثامن والعشرين من يونيو، بدي طريق العودة هادئا كعادته في مثل تلك الساعة. شق الميكروباص طريقه بطول الكورنيش إلي أن انتهي إلي شارع القصر العيني، وقبيل الولوج إلي ميدان التحرير فوجئنا بأسراب من الأمن المركزي تقطع الطريق إلي الميدان وتصطف في مشهد ليس بغريب علي الذاكرة.



خوفك مش قدر
وهروبك مش طريق
قلوعك لو ورق
ماتنجيش غريق
طير زي النسور
من النخل للكافور
غوص جوه البحور
وهات اللؤلؤة
اخرج من البيبان


اختلف الناس علي سبب ما جري في ليلة الثامن والعشرين، ولكنهم اتفقوا علي ضرورة الخروج. ذلك المشهد الذي يعيد إلي النفوس احساس بالضيق والنفور هو ما دعي تلك المئات القليلة التي بدأت الاشتباك إلي استنفار الآلاف، وفي دقائق معدودة عاد الميدان إلي سيرته الأولي، عادت الحجارة لتملأ أرض الميدان كما عادت الطلقات النارية والقنابل المسيلة للدموع، عاد المستشفي الميداني، كما عاد الجرحي والدماء، وعادت مع كل ذلك الدعوي للخروج من البيبان الحر الضيقة إلي الصبح الجميل والدنيا المروقة.



كل شيء بيدبل
لوحده في الخريف
عيش سنين شبابك
بقلب مش ضعيف
ده الحلم نار ونور
لو ثار الكون يثور
اضحك وارقص ودور
وافرح باللقا
اخرج من البيبان


بصرف النظر عن الاختلاف حول أسباب ما جري ليلة الثامن والعشرين، وبصرف النظر عن الاختلاف حول ما جري ليلة الثامن والعشرين، ستبقي تلك الليلة في ذاكرة كل من خرجوا من البيبان إلي الميدان، ستبقي مفعمة بروح الحلم بناره ونوره، ستبقي خطوة علي طريق الحرية، وسيبقي الصبح الذي أعقبها جميل، وستغدو الدنيا بعدها مروقة.



بترشرش ع الولاد
ع الحلم في الحارات
رشت ع البيبان
ع الزحمة في الميدان
رشت ع البنات
ع الكحل ع الحجات
ع الكحك في الصاجات
وقمصان الشقي
اخرج من البيبان



محمد عوض

Friday, June 10, 2011

جيل الثورة






في أوائل ديسمبر اللي فات خرجت علينا الحكومة بقرار غريب جدًا من نوعه، فعلي غير عادة قرارتها الحكيمة في التنغيص علي المواطنين، قررت إنها تشيل كل الإعلانات اللي علي أسطح العمارات اللي في وسط البلد، وبدأ تنفيذ القرار بميدان التحرير، وكان قرار غريب فعلا ولحد دلوقتي ماحدش عارف ايه حيثيات القرار ده، المهم ان انا كنت سعيد جدا بيه، مش بس لأن الإعلانات دي من أقذر موروثات الرأسمالية، لكن كمان لأنها كانت مشوهة الميدان ومشوهة البلد كلها، وبشكل خاص كنت في غاية السعادة لما شالوا الإعلان بتاع بيبسي من فوق العمارة اللي فيها كنتاكي، لإن الإعلان ده في وش شارع القصر العيني، وده طريقي كل يوم وانا راجع من الشغل، فكنت ببقي شايف الإعلان من أخر الشارع، وكانت بتستفزني صورة تامر حسني بضحكته السمجة وهو ماسك كانز البيبسي. المهم.. من يومين كده انتبهت لحاجة غريبة جدا، ان القرار ده لو ماكانش اتنفذ كانت صورة تامر حسني ارتبطت بكل الوثائق المصورة عن الثورة والميدان، ودي طبعا كانت هاتبقي كارثة، لكن سبحان الله، ربنا أراد انها تكون ثورة تطهير بجد.

لما قامت الثورة كان صديقي احمد محرم في طنطا، وكنا بنتكلم في التلفون من وقت للتاني، وكان دايما يقفل المكالمة وهو بيقولي: اشوفك في مصر الحرة ان شاء الله، ولما نزل القاهرة بعد كده وروحنا التحرير سوا، قلت له شفت يا عم ادينا اتقابلنا في مصر الحرة، قالي: اه فعلا هو الميدان دلوقتي يعتبر الرقعة الوحيدة الحرة في مصر.

في التدوينة اللي فاتت بتاريخ 24 ديسمبر كنت بسأل هو احنا هايبقي اسمنا جيل ايه، ولو كان تامر حسني هو فعلا نجم الجيل فهل دارسو المستقبل هايقولوا علينا جيل تافه، لكن سبحان الله، مين كان يصدق انهم هايقولوا علينا جيل الثورة.

انا عارف ان تامر حسني لسه موجود، زي ما الاعلانات لسه موجودة في كل وسط البلد ماعدا الميدان، بس يمكن ده لان ميدان التحرير هو فعلا مصر الحرة، دايرة مسيرها توسع وتلم البلد كلها، وتبقي فعلا مصر حرة، من حقنا اننا نحلم بكده، ومن حقنا اننا ندي نفسنا فرصة، وندي لحلمنا فرصة، ومن حقنا اننا نفتخر، بإننا جيل الثورة.


Friday, December 24, 2010

التطبيع بنكهة طبيعية




الدكتور عبد الوهاب المسيري حكي في مرة ان الشاعر أمل دنقل، رحمهما الله، كان واخد موقف منه مع العلم ان معرفتهم ببعض كانت سطحية جدا، لكن لما كانوا بيتقابلوا صدفة في أي مكان كان الاستاذ دنقل بيسلم عليه بفتور وبرود واضحين قوي، وفي يوم الدكتور المسيري اتفاجئ ان الاستاذ دنقل أقبل عليه وسلم عليه بحرارة شديدة، ولما سأله عن سبب التغير المفاجئ ده، قاله بكل صراحة انه لما سمع عن مشروع موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ظن في الأول ان المشروع كان قايم بالأساس علي خلفية التطبيع ولمصلحة الجانب الصهيوني، لكن لما عرف الحقيقة موقفه اتغير طبعا، ويمكن ده نفس الموقف اللي اتخذه مركز الأهرم للدراسات الاستراتيجية والسياسية من تمويل المشروع لكن في الاتجاه المغاير، لان المركز في الأول كان متحمس جدا لفكرة للمشروع لكن بعد ما اتأكد من حقيقته انسحب من غير كسوف عن تمويله، وموله الدكتور المسيري بنفسه .. انا طبعا لسه ما قريتش الموسوعة، مش بس لأنها ضخمة لكن كمان لاني مش مستعد أدفع 2000 جنيه لمكتبة الشروق، لكن ما علينا، ده مش موضوعنا.

كان طبيعي اني أفتكر الموقف ده واللي حكاه الدكتور المسيري في سيرته الذاتية لما قريت في جريدة أخبار الأدب في عدد 10 أكتوبر 2010، وفي صفحة خصصت لعرض الأعمال الأدبية العبرية وباسم (من الثقافة العبرية) .. الصفحة كلها كانت بتدور حول ردود الفعل علي الفكرة نفسها، فكرة عرض الاعمال العبرية في جريدة رسمية مصرية، وما بين مؤيد ومعارض ومحايد ومش فارقة معاه، كانت المقالة الرئيسية في الصفحة هي مقالة السيد/ زياد مني، كما وصفه نائل الطوخي الصحفي بالجريدة والذي كُـلِف بالرد علي المقالة، ودارت مقالة السيد/ زياد مني حول الرأي الأخر الرافض للوجود الصهيوني في الاراضي العربية، والرافض لوجود صفحة زي دي في جريدة مصرية، والرجل بمنتهي الأدب عرض رأيه بشكل محترم، وأحاطه بدزينة من الحجج المنطقية التي توضح دواعي رفضه لمثل تلك الفكرة، وعلي جانب أخر من الصفحة تظهر بعض الأراء في بث مباشر من علي صفحات الفيس بوك، بين معارضٍ وحيد، ومؤيدين كُثُر، ثم يأتي في الركن الأخير مقال الاستاذ نائل الطوخي الذي كُلِف من الجريدة ليس بالرد علي زياد مني بقدر التفنيد المهذب في شكله، غير المهذب في مضمونه، للحجج التي ساقها مني في مقاله.

الجانب الأكثر إثارة للانتباه في مقالة زياد مني، واللي أغفله نائل الطوخي تماما، هو الربط بين الإعلان عن صفحة "من الثقافة العبرية" وبين حملة السيد وزير الثقافة فاروق حسني للفوز برئاسة منظمة اليونسكو، والربط بشكل أخر مابين الحملة نفسها وبين تراجع السيد الوزير عن مطالبته بحرق كتب الأدب العبري، مما أهل السيد الوزير لدخول موسوعة جينس للأرقام القياسية، حيث أنه المسئول الأكثر رجوعا في كلامه وتصريحاته علي مستوي العالم، {رأيه في الحجاب، تصريحاته بعد سرقة زهرة الخشخاش، وغيرها وغيرها} ويمكن علشان كده حسيت وانا بقرأ مقالة نائل الطوخي بإن الجريدة بتبعت رسالة شديدة اللهجة لكل من تسول له نفسه معارضتها في هذا الأمر.

أنا عارف اني ماكتبتش التدوينة دي علشان أتكلم عن ثقافة الأخر، لكن بصراحة أنا مش قادر أمنع نفسي من التعليق علي الطريقة الرخيصة اللي اختارتها الجريدة، وأعني بالاسم الاستاذ جمال الغيطاني رئيس التحرير رغم تقديري الشديد له، لعرض الموضوع في صورة بتسميها الجرايد دايما "الرأي والرأي الأخر"، مع العلم إننا في مصر عمرنا ما شفنا الرأي الأخر ده شكله ايه، ودايما تلاقي الصفحات اللي بتحمل الاسم ده في كل الجرايد بتتخذ موقف واحد بس من كل الموضوعات اللي بتناقشها، واللي بيكون في الغالب موقف الجريدة نفسها واللي بيعبر بالأساس عن مصلحة الجريدة المادية البحتة.

انا عنيت من التدوينة دي اني اتكلم عن موقف الأجيال الجديدة من مسألة التطبيع، وبشكل مجرد تماما، ومن غير فلسفة، أنا أقصد أقول: ازاي ناس ما تعرفش يعني ايه تطبيع تقول رأيها فيه، بصرف النظر بقي عن إن رأيها ده هاتاخد بيه الجريدة ولا لأ، هي يعني جت علي جريدة أخبار الأدب اشمعنا يعني هي اللي هاتبقي ديمقراطية، وياريت ماحدش يفهم كلامي برضه علي انه وصلة جديدة من وصلات العياط علي حالنا واللي وصلنا ليه، لكن أنا فعلا عندي سؤال واضح ومحدد ومحيرني من زمان .. زمان كان كل جيل في حاجة ثابتة بتربط أفراده كلهم، وبتقدر تعرفهم من خلالها، وتقدر كمان تعرف اتجاهاتهم وأرائهم حتي لو اختلفت تجاه قضية معينة بالرجوع للحاجة الثابتة دي، لكن جيلنا الظالم المظلوم ده، التائه المتوه ده، ايه الثابت المحدد اللي نقدر نعرفه من خلاله؟ الناس اللي هايجو بعدنا بتلاتين ولا اربعين سنة لما يجيو يتكلموا عننا هايقولوا ده كان جيل ايه؟ يعني مثلا، مين اللي حكم وقال ان تامر حسني ده هو نجم الجيل؟؟ يعني لو اعتبرنا ان هو ده المحدد يبقي نقدر نقول ان الجيل كله جيل تافه، ومين كمان اللي سمح للإعلان اللي بيقول ان روتيتو هي بطاطس جيلنا؟ طيب هو جيل السبعينات كانت بطاطسهم ايه؟؟؟

لو هاتسألوني عن الثابت المحدد ده اللي نقدر نوصف بيه جيلنا، هاقول ان الجيل ده اتحرّم –بتشديد الراء- عليه التفكير، التفكير عموما حتي في أخص الأشياء اللي تهمه هو بس مش أي حدي تاني، سواء بقي كان اللي بيحرم ده الحكومة ولا أبوه ولا أمه ولا المجتمع بعاداته وتقاليده، اتحرم عليه انه يفكر في اي حاجة وفي كل حاجة، في حياته ومستقبله وفي كل اختياراته، وكان دايما حد تاني هو اللي بيفكر له وطبعا بيختار له، ويمكن ده السبب الأساسي في انتشار الفكر السلفي الأيام دي، لأن الفكر ده بيقولم بالأساس علي إلغاء البني ادم، وانه يكون مابيفكرش ومالوش رأي.

احنا مش موافقين علي التطبيع لكن برضه مش معترضين عليه، لاننا مانعرفش يعني ايه تطبيع ولا يعني ايه تفكير ولا يعني ايه اختيار، وجيل زي ده ماينفعش تسأله عن رأيه في حاجة، وطالما مالوش رأي يبقي الجريدة من حقها تفرض رأيها، وتنزل الصفحة، وتطبع التطبيع بنكهة طبيعية، ومن غير مواد حافظة كمان.

Tuesday, November 16, 2010

أصعب حاجة

أهم انطباع خرجت بيه بعد ما شفت فيلم "حد سامع حاجة" بتاع رامز جلال ان الفيلم سيء للغاية، مش بس لانه مسروق بالحرف من فيلم "Hitch" لكن لأنه مسروق سرقة سطحية جدا، موتت فكرة الفيلم ومعناه وحالته واستبقت فقط علي موضوعه.

موضوع الفيلم ده قديم قوي، عمله قبل كده أحمد مكي في "طير انت" وأحمد حلمي في "ظرف طارئ"، وزمان عمله عمر الشريف في "إشاعة حب" وعادل إمام في "البحث عن فضيحة"، ويمكن السر في كثرة تناول الموضوع ده عبر الاجيال المختلفة والثقافات المختلفة، هو انه بيعبر عن فلسفة انسانية قديمة قدم الأزل أو زي ما بيقولوا الخواجات ((as old as time))

بس الفكرة الأهم، ان في قواسم مشتركة جمعت بين كل التناولات المختلفة دي مثلت أساس لفكرة التناول نفسها، ورسمت إطار للموضوع أصبح من التقليد التقيد بيه وعدم الخروج عليه، ومن القواسم دي ان البطل لازم يكون خام، نيلة، مدهول، وبيتعامل مع الجنس الأخر ده علي أنه من الكائنات الفضائية التي تسكن أحد الكواكب غير المعروفة في المجرة اللي علي يمين مجرة درب التبانة علي طول، وكمان من القواسم دي ان البطلة تكون ملكة متوجة علي عرش الجمال، ومبعوثة العناية الإلهية لتحسين النسل البشري، لكن أهم القواسم دي واللي اتفقت عليها كل التناولات حتي التناول الأمريكي، هو ان نهاية الفيلم لازم البطلة المتوجة دي تقع في غرام البطل المدهول، علي اختلاف بقي درجة الاقناع في كل تناول.

والفلسفة البسيطة اللي بتكمن ورا الفكرة دي هي حاجة كده شبه فكرة التدوينة اللي اتكلمت فيها عن الفيلم الأمريكي "Hitch" واللي بتقول ان الناس مقسومين لصنفين، صنف بيعرف وصنف مابيعرفش (زي حاحا كده)، وعلشان الصنف اللي بيعرف يحافظ علي نفسه من ثورة الصنف اللي مابيعرفش ومطالبته بحقه في المساواة، بيحاول يقنعه أو تقدر تقول يضحك عليه ويقوله انه فعلا هاياخد فرصته وهايجي عليه اليوم اللي الملكة المتوجه تقع في حبه وتركع تحت رجليه وتقوله أأمر فتطاع. والصنف اللي بيعرف ده بيكون كسبان في كل الحالات لانه أولا قدر ينيم الصنف التاني ويسكته، ولو حصلت المعجزة فعلا ونهاية الفيلم اتحققت في الحالة دي صناع الفيلم، قصدي الصنف اللي بيعرف، هايتحولوا لرسل مبعثين، ولو ما حصلتش المعجزة أهو الاهبل المدهول ده هايفضل عايش طول عمره علي أمل ان نهاية الفيلم تتحقق، وهايحصل معاه سيناريو من اتنين، يا إما هايرضي باللي ربنا يبعتهاله ويقنع نفسه ان هي دي الملكة المتوجة اللي شافها في الفيلم، أو انه هاينتظر وينتظر وينتظر ويموت وهو منتظر، وفي الحالة دي هو نفسه مش هايعرف انه انضحك عليه لانه هايكون خلاص مات وساب الدنيا باللي فيها.

لكن سعات الصنف اللي مابيعرفش بيقف في نص الطريق ويقلب الموضوع تاني في دماغه ويحسب احتمالات المكسب والخسارة .. يعني يا إما يرضخ للأمر الواقع ويرضي بنصيبه وياخد بسياسة البطيخة، ويا حمرا يا قرعة بقي، أو انه يفضل متمسك بمبدأه ويفضل منتظر مليكته، تلك التي لا تحل محلها نساء العالم كله وان اجتمعن، وفي الحالة التانية دي بيغرّق نفسه في بحر كبير من الأوهام، ومخزون الأفلام اللي جواه يفضل يقوله ان "خلاص فات الكتير ما باقي الا القليل" وانه "علي بعد ثانية واحدة من حلمه اللي ضحي علشانه بعمره كله" لكن اللي ما يعرفوش، ان الثانية دي ممكن تكون أخر ثانية في عمره.

في أغنية لمحمود العسيلي اسمها "أصعب حاجة" بيقول فيها:
أصعب حاجة في العالم
اللي بتحبه مش فاهم
انك بتحبه وبتفكر فيه

فعلا أصعب حاجة في العالم انك تبقي بتحب حد ومشغول بيه قوي وهو ولا حاسس بيك، وتفضل تفكر فيه طول الليل والنهار زي ما بتقول
الست ام كلثوم كده "فكري طول الليل في ليلك والنهار كله في نهارك" وهو ولا حاسس بيك أصلا، لكن محمود العسيلي بيقول بعد كده:

أحلي حاجة في الدنيا
انه يجيلك وفي ثانية
يطلع حاسس باللي انت حاسس بيه

المقطع التاني ده صورة واضحة جدا من وسائل التنويم المغنطيسي اللي بيستخدمها الناس اللي بيعرفوا ضد الناس اللي مابيعرفوش، هي نفس الفكرة ان البطلة اللي انت كنت بتفكر فيها من شوية وهي ولا حاسة بيك، هاتجيلك وفي ثانية، وتطلع هي كمان متيمة بيك، بذمتكم لو كل الكلام ده مظبوط .. مش دي هاتطلع أكبر مؤامرة في التاريخ.
===========
اعتذار واجب
لكل الناس اللي دعمتني معنويا،
لكل قال كلمة استحسان في تعليق،
لكل حد بيدخل المدونة وهو منتظر يلاقي فيها جديد،
والاعتذار ده كمان للناس دي بالاسم
حامد وريم وعبدالله وطه ومحرم
اللي من غيردعمهم كانت المدونة ماتت من زمان

Friday, August 27, 2010

ابنتها





"أتعرف أن الإنسان لا يحس بوجوده إلا إذا رُزق الولد، إنه من قبل كالمطر ينحدر علي التلول ويتفرق في الوديان، ولا تعلو قامته في مكان رغم غزارته، ثم انظر إلي الولد حين يعانق أباه، تجد ذراعيه كالضفتين تحتجزان هذا الماء المضاع فيصبح نهرًا له حياة معلومة ومجري مرسوم ومبدأ وغاية." *
كنت غارقًا حتي الثمالة بين تلك السطور التي خطتها تلك الأنامل العبقرية للرائع يحي حقي، عندما أتاني صوتها الهادر ليوقظني علي أحلي هدايا القدر متسائلةً في أدب جم:
- أبحث عن كتاب بعنوان "صح النوم" لـ يحي حقي، هل لديك نسخة منه؟
- أظن أن لدي نسخة من الأعمال الكاملة ليحي حقي قد يكون هذا الكتاب من ضمنها.
أجابها البائع بصوته الأجش بينما عيناه تجوبان تلك الأكوام من الكتب الملقاة علي الرصيف، والمتراصة في عشوائية كنجوم منثورة في سماء غائمة، لا يُهتدي بها ولا إليها.
نزلت اللحظات التالية بي منزل الحمي بالمحموم، فقد انقضت دون أن يتنامي إلي وعيي أنني أحمل مقصدها بين راحتي هاتين .. وأخيرًا خرجت عن صمتي متعلثما:
- هـ هذه هي .. صح النوم.
فقالت وقد تهللت أساريرها:
- حقا؟ .. ولكن ألم تكن علي وشك شرائها؟
- بوسعي البحث عن غيرها.
- لا .. أنا لن أرضي بذلك .. أنت سبقتني إليها.
- سأتركها لك عن طيب خاطر.
- أشكرك بشدة ولكني لن أرضي.
وفي تلك الأثناء كان البائع قد عثر علي نسخة الأعمال الكاملة، وبدا أنه لم يعد هناك دافع مقنع لإصراري، فشكرتني مرة أخري وهي تعطيني الكتاب، وتناولت نسخة الأعمال الكاملة من البائع، والتي من حسن طالعي بذلك اليوم لم تحو قصة "صح النوم"، فعرضت عليها أن نقوم بتبادل الكتابين، ففي ذلك ما يرضي كلانا، وكانت ابتسامتها العذبة خير إشارة علي الموافقة فسألتها في اهتمامٍ غير مفتعل:
- أتستهويكِ كتابات يحي حقي؟
- ليس بعد، ولكني قرأت شيئًا يسيرًا من قصة صح النوم بإحدي المكتبات العامة، وجذبتني إليها بشدة فعزمت علي اقتنائها.
لم يدم الحديث بيننا طويلا، ولكن وقع كلماتها القليلة في نفسي دام لسنوات طويلة بعد ذلك. سألتها أن تحتفظ بالكتابين معًا، فلدي الكثير من كتابات يحي حقي فهو كاتبي المفضل، ولكنها أبت، وذكّرتني بأن اتفاقنا بشأن تبادل الكتابين كان للعدل فيما بيننا، فبادرتها بنبرةٍ مترددة:
- إذن فلتكن استعارة.
- استعارة؟
- نعم، يمكنك استعارته مني بوصفي مالكه المستقبلي.
فقالت مدارية ابتسامةٍ خجولة:
- وأني لك استعادته أيها المالك المستقبلي؟
- إن قٌـدر لنا اللقا.

أخبرتها أني دائم التردد علي هذا المكان لابتياع ما يلزمني من كتب، فازدادت بسمتها كاشفة عن أسنان نضيدة ناصعة البياض، فاستطردت بأنه إن قُدر لنا اللقاء سيكون بنفس المكان. واتفقنا، وافترقنا، وبعدما غابت عن ناظري تذكرت أني لم أسألها عن اسمها، وأنها لم تعرف اسمي.
شهر كامل انقضي لم أنقطع فيه عن زيارة المكان، أقضي ما يزيد علي الساعة أقلب الكتب بين يدي دون أن أشتري منها شيئا، أتنقل بين صفحات الكتاب دون أن يعلق بذهني منه حرفا، أحاول جاهدًا الفكاك من أسر ذلك الملاك الذي أهديته قلبي طي كتاب، لكن بلا جدوي، إلي أن كان اليوم الثالث بعد الثلاثين، كنت علي وشك الأفول إلي بيتي منكسر الخاطر كالعادة، عندما أقبلت .. هي هي .. بابتسامة مشرقة، تحمل حقيبتها بارزًا منها إحدي طرفي الكتاب. قابلتها بفرحة أكبر من أن تستوعبها قلوب البشر مجتمعة، سألتني والابتسام لم يفارقها:
- كيف حالك؟
فردّدت كلماتها كالأبله:
- كيف حالك؟
- بكل خير.
- لم أسألك عن اسمك في المرة الفائتة.
- هند
- محمد

... إنه ذلك النداء الذي يذهب بكل عقلي، تلك الكلمة التي تنطقها بتحريف محبب إلي قلبي تلك الأميرة التي لم تتعلم المشي بعد، عندما تزحف نحوي علي أربع مرددة "بابا"، والتي لا أملك إزاءها سوي ترك القلم لتبقي كلماتي بلا بقية سوي أن تلك الأميرة الصغيرة هي ابنتها.
=========
ملحوظة
الفقرة الأولي من قصة "صح النوم" لـ يحي حقي

Wednesday, August 18, 2010

كانت خبرتي الثانية

كانت خبرتي الثانية، كان التوقيت نفسه أو ما يقاربه، كان الميدان يميد في أضوائه البرتقالية تطل عليه من علٍ، والمارة يحثون في خطوهم خشية السيارات الكثيرة المسرعة التي يعج بها الميدان. لم أكد أتخطي التمثال المقام للفريق أول عبد المنعم رياض، وإذا بغية من الحمام {والتعبير للقرموطي} تتخطاني مسرعة صوب قائد لها يحمل فوق كتفيه كلتيهما نجوما نحاسية تشي برتبته وتعطيه الحق في نهر المارة فضلا عن أفراد سرب الحمام التي اتخذت موقعها علي الرصيف المقابل مولية دبرها للطريق لمنع المارة من اجتيازه لحين عبور الموكب.

اتخذت مكاني أنا الأخر بين أقراني ممن حكم عليهم حظهم بملاقاة الموكب المهيب. أدرت نظري فيمن حولي فإذا بهم كمن تعلوهم الطير، أما أنا فغمرتني نشوة عارمة لإدراكي خبرتي الثانية بعد أعوام ثلاثة. لحظات قليلة وانقطعت السيارات عن المرور، وخلي الميدان إلا من المارة المحجوزين تعلوهم الطير مابين النسور والحمائم، وبدا التمثال، المشير بإحدي سبابتيه كأمثاله علي رؤس الكباري والميادين، في حيرة من أمره، وكأنما يخشى أن يتم ضبطه متلبسا لإشارته غير اللائقة نحو الموكب الذي مرق مخترقا الميدان الخالي وكأنما يمضي لأمرٍ جلل، تحيطه أبواق سيارات الأتاري، وتتقدمه سيارة التشويش وقطع الإرسال، وتأتي في إثرها درة الموكب الداكنة التي يزيدها اللون الأسود رهبة علي رهبة، وجلال علي جلال.

بمرور الموكب أخذت الحياة في الميدان تعود لسيرتها الأولي، انصرف الناس إلي مقاصدهم، وعاد أفراد سرب الحمام إلي مواقعهم، وعادت السيارات إلي جريها الأهوج، واستكملت أنا الأخر طريقي قاصدًا المقهي، مستعيدًا خبرتي الأولي، فللخبرة الأولي رونقها مهما تعاقبت عليها الخبرات... كنت برفقة أحد أصدقائي نتجه سيرًا إلي التحرير بحثا عن كتاب ما، كنا نتجاوز ميدان التحرير عندما كان صديقي يحكي لي عن تلك الواقعة التي شهدها بنفس المكان، عندما كان في طريق العودة إلي منزله في ساعة شديدة الحرارة توقفت فيها الحافلة وطال وقوفها حتي جزع الناس وتساءلوا عن السبب، ومرقت الإجابة سريعة متمثلة في موكب مماثل يخترق الميدان. وبينما صديقي يتابع حكيه اعترض طريقنا أحد المارة قائلا بصوت غليظ:
- مكانك يا كابتن .. اقف مكانك لغاية ما الموكب يعدي.

وقفت وصديقي مشدوهين من أثر الصدمة، فمثل تلك الصدفة لن تتكرر كثيرًا، صدفة لن نتوقف عن سردها في كل مجلس سمر ننزل به، أما أنا فلم أكن أتخيل أن خبرتي الأولي ستأتي بهذه السرعة.
مكثنا علي ذهولنا دقائق إلي أن مرق الموكب وأُذن لنا بالمرور فاستكمل صديقي روايته قائلا:
- بس الموكب ده أصغر من اللي انا شفته، التاني كان أكتر من عشر عربيات، ده أربعة بس.
وهنا تدخلت المرأة التي كانت تعبر الطريق إلي جوارنا حاملة طفلها الرضيع قائلة:
- التاني ده زمانه كان حمار كبير، انما ده جحش صغير.


ملـحوظة
إلي صديقي حامد .. رفيق خبرتي الأولي وخبرات أوْلي كُـثُـر، من مجلسي هنا علي مقهي "أفتر إيت"، وحيث حجر التفاح الثاني علي وشك –بتسكين الشين- الانتهاء ... تحياتي.
محمد عوض

Monday, May 31, 2010

باطنية الورق



كانت حاجة عادية ان حد مألوف يدخل ويقول بنبرة تحذيرية كلمة واحدة كفيلة ببث نشاط أهوج في كل من في المكان، وفي خلال ثواني بتكون بيبان المحل التلاتة اتقفلت بالضبة والمفتاح علي كل اللي جواها من المكن والورق والبني ادمين، وفي الغالب الزباين بيكونو فاهمين ومش مستغربين لان الكلمة اللي قالها الحد المألوف بنبرة تحذيرية هي ... مصنفات.

بين السرايات، أو علي حد تعبير الاستاذ علي صاحب المحل ((بين الخرابات))، منطقة معروفة جدا بحكم قربها من جامعة القاهرة، لكن مش ده السبب الوحيد في شهرتها، السبب الأول والأهم، إنها أكبر وأهم سوق لتجارة الورق في البلد كلها، وتجارة الورق دي معناها كل ما يتعلق بالورق من كتابة وطباعة وترجمة وإعداد رسائل علمية وتدقيق لغوي وصيانة أجهزة كمبيوتر والقيام بأعمال البرمجة والفوتوشوب زي ما بتقول كل لافتات المحلات اللي موجودة في المكان، والغريب فعلا ان المكان ده بيعتمد علي الجامعة (بطلبتها ودكاترتها وسلطاتها وبابا غنوجها) بنسبة ما تزيدش علي 20% بس من مجمل حركة العمل، والنسبة دي في الغالب بتكون المكتبات اللي بتعمل ملازم لكليات حقوق وتجارة وأداب وهندسة وغيرها، والباقي كله شغل شركات ومصالح حكومية وسيناريوهات واسكتشات برامج وكل ما له علاقة بالورق من قريب أو بعيد، كل ده برضه نقلا عن الأستاذ علي صاحب المحل، وهو أكيد أكثر دراية لانه شغال في المكان ده من اكتر من عشرين سنة، من أيام الالات الكاتبة وأجهزة الكمبيوتر اللي نايمة علي بطنها.

المهم.. يوميها الوضع كان مختلف جدا، ع الأقل بالنسبة لي لاني كنت يادوب شغال هناك من يجي كام شهر، كان في العادي لما حد مألوف يقول بنبرة تحذيرية كلمة مصنفات كنا بنقفل لمدة عشر دقايق ولا ربع ساعة بالكتير، بيعدي فيها البوكس بتاع شرطة المصنفات وياخد اللي فيه القسمة، وياخد كمان اللي حظه المنيل خلاه ما يقفلش بيبان محله في الدقيقتين دول، وبس، ونفتح البيبان التلاتة تاني والزباين تاخد شغلها وتمشي عادي جدا، انما يوميها الوضع كان مختلف جدا، يوميها بين السرايات كانت زحمة قوي عن العادي، وخصوصا بالطلبة، ولما بتوع المصنفات جم كان واضح انهم جايين في مهمة معينة مش مجرد بيقلبوا رزقهم، وكانوا حاطين عينهم ع المكتبات اللي بتبيع الملازم للطلبة .. في الأول خدوا شوية أجهزة كمبيوتر علي شاشات من المكتبات دي، وبعدين بدأوا يلموا في الملازم، انا استغربت قوي هما واخدين الورق ده ليه، يعني دي ملازم لطلبة الجامعة ايه اللي يخليهم يشغلوا بالهم كده ويلموا الورق ده كله ويشحنوه ع البوكس، ولما البوكس يتملي يجيبوا بوكس تاني وتالت ويلموا كل الورق المشفر اللي في المنطقة كلها، ولما سألت نفسي بصوت عالي رد عليا واحد واقف جمبي قالي: انهم جايلهم توصية من دكاترة الجامعة لان الطلبة بيشتروا الملازم دي ومابيشتروش كتب الدكاترة، استغربت أكتر من الاجابة دي، وبالرغم من اني ما استبعدتش انها تكون مجرد اشاعة، إلا إني لما دورتها في دماغي لقيتها مقنعة، قوي وخصوصا لما خدت بالي اننا أياميهم كنا علي أعتاب امتحانات نص السنة، وده السبب في زحمة الطلبة في المكان في الايام دي، وبعدين افتكرت حكاية تانية خالص.... في جامعة المنصورة أغلب الدكاترة بيتبعوا نظام غاية في الانحطاط والدناءة، كل سنة او ترم الدكتور بيكون منزل كتاب للمادة، والكتاب ده بيكون معاه شيت عبارة عن ورقة أسئلة أو سعات مجرد ورقة مكتوب عليها الأسم والفرقة كعناوين والمفروض ان الطالب بيملي الخانات دي ببياناته ويقدم الشيت للدكتور، وبكده الدكتور هايقدر يعرف مين اللي اشتري الكتاب ومين اللي ما اشتراش، وبديهي ان اللي ما اشتراش هايتظبط في الامتحان وفي اعمال السنة، أو بمعني تاني، هايشيل الليلة.

وفجأة اللي واقف جمبي، وكأنه كان بيقرأ أفكاري، قالي: هما بيعملوا الحركة دي قبل كل امتحانات، ولما قلت له: بس مش حرام الورق ده كله يضيع كده، مش الغلابة اللي واقفين دول كانوا أولي بيه؟ مش كفاية خسارة اصحاب المكتبات؟، رد عليا وقالي: انت فاكر ان اصحاب المكتبات دول خسرانين حاجة، حتي لو خدوا ورق قد ده ميت مرة هما مش خسرانين. وساعتها افتكرت لما الاستاذ علي صاحب المحل قالي مرة، بعد ما أقسم بكل الغاليين، ان المنطقة دي فيها تجارة بمليارات الجنيهات، وان في ناس فيها بتكسب ملايين في اليوم الواحد.

المهم أنا انتهزت الفرصة دي وطلعت الموبايل وخدت لي كام صورة للذكري، صورة التدوينة دي واحدة منهم والباقي علي صفحة المدونة في الفيس بوك ع اللينك ده.